النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11005 الاثنين 27 مايو 2019 الموافق 22 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

وعي التخلف للخروج من تخلف الوعي (2-2)

المشروع الفكري للأنصاري في مواجهة مكر الأيديولوجيا والأصولية المريضة

رابط مختصر
العدد 10970 الاثنين 22 أبريل 2019 الموافق 17 شعبان 1440

سبق أن دعونا في مناسبات عديدة إلى الاهتمام بالمشروع الفكري للمفكر البحريني الدكتور محمد جابر الانصاري، بما يسهم في إنارة الجيل الجديد، والدفع به نحو استكمال هذه المسيرة الفكرية الهامة، حتى لا يكون الانصاري آخر المفكرين في البحرين. ولا شك أن تسليط الضوء على هذه المسيرة الفكرية للأنصاري، والتوقف عن أهم مفردات مشروعه الفكري سوف يكون عملاً فكريًا من الدرجة الأولى. وفي إطار التعريف بهذا المشروع، نستكمل بعض أهم مفرداته والتوقف عند عناصره التي ما تزال حيّة إلى اليوم:

- هوية البحرين العربية: من خلال مشروعه الفكري كتب الأنصاري -أمد الله في أنفاسه- سيرته الفكرية، وهو يفعل ذلك كتب السيرة الثقافية للبحرين المعاصرة، في اشتباكها مع محيطها العربي العميق، ومع هويتها العربية الإسلامية الممتدة إلى أعماق التاريخ، مع تفاعلها مع العالم الجديد، وما يمور به من رؤى وأفكار. ولذلك فإن العودة إلى هذه السيرة الفكرية، هي في الحقيقة عودة إلى السيرة الثقافية والفكرية للبحرين نفيها، والتي لم تكن بعيدة عما يشهده الوطن العربي من تحولات وطموح للنهضة والوحدة، خصوصًا بعد التثبيت القانوني الأممي لعروبة البحرين واستقلالها كدولة ذات سيادة بهويتها ضمن المنظومات العربية والخليجية والاسلامية والدولية. فقد كان الأنصاري من أكثر المفكرين البحرينيين تأكيدًا على ذلك أن البحرين العربية تاريخًا ووجودًا وجغرافيا، جسمًا وروحًا، هي في قلب العرب جميعًا، بوضعها الخاص في واسطة العقد العربي، فهي (المتصل المنفصل)، فهي متصلة بالمصير العربي، وجدانًا وثقافةً ورابطةً وتاريخًا، وهذا ما ساعدها على تطوير مجتمع أهلي حديث يمتلك وعيًا متقدمًا، ودولة مدنية عصرية مستقرة نسبيًا، تزخر بتسامح إنساني وانفتاح فكري واجتماعي فريد من نوعه، استنادًا إلى معطيات حضارية متنوعة. وتلك في الواقع أسس انطلاق مشروعها التحديثي نحو التجدد والديمقراطية في ظل الملكية الدستورية الاصلاحية في عهد الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله. وانطلاقًا من هذه الخصائص والمميزات الحضارية، ما تزال البحرين إلى اليوم تضرب المثل في الشجاعة والاتزان والاعتدال، مثلما سبق لها أن قدمت أول نموذج خليجي لما بعد النفط، بالتنويع في مصادرها الاقتصادية، وبالإعداد المستمر لعناصرها البشرية الكفؤة لتغطية تواضع دخلها البترولي في جوار غني بالنفط والغاز.

- التضخم الأيديولوجي والبؤس المعرفي: توقف الانصاري في مشروعه الفكري، وهو يراجع محنة الفكر العربي المعاصر، عندما أسماه بالتضخم الأيديولوجي المثالي الرومانسي العربي، الذي يمثل حسب رأيه القسم الأعظم من الثقافة العربية والخطاب العربيين مقابل ضمور المعرفة، أو ما يسميه (البؤس المعرفي). وهو المقتل الأساسي لثقافة ما قبل الهزيمة. وقد يكون الفكر العربي كان في حاجة إلى (أزمة) أو صدمة في حجم هزيمة 1967م، لينتبه إلى أهمية القيام بمهمة المراجعة. من أجل استيعاب المعارف الجديدة، وبلورة رؤية فكرية عربية، من خلال (نقد العقل العربي، وإجراء مراجعة فكرية شاملة لمسارات الفكر العربي..) مركزاً على مقاومة التيار الديني الأصولي للتوجه العلمي الجديد، ولعلم الاجتماع تحديدًا: «ولعل من أكثر الأمثلة الصادقة على ارتياب التيار الديني من الفكر الاجتماعي الكتاب الذي أصدره أستاذ علم الاجتماع السابق أحمد إبراهيم خضر تحت عنوان علماء الاجتماع وموقفهم من الإسلام، والذي أعلن فيه أن رسالة كتابه هذا تنحصر في جملة واحدة وهي إننا لسنا في حاجة إلى على اجتماع لا في شكله العام ولا فيما يسمى بعلم (الاجتماع الإسلامي)، حيث يميل الإسلاميون بوجه عام إلى اعتبار علم الاجتماع (ديناً جديداً)». 

- وعي التخلف: ويؤكد الأنصاري في مشروعه أيضا على فكرة محورية، وهو يبحث عن المخارج من مأزق الفكر العربي المعاصر، وهي «وعي التخلف للخروج من تخلف الوعي». وأنه «لن يكون أي تقدم إلا بوعي التخلف»، ويعتبر ذلك «وصفة» فكرية لعلل العرب الفكرية والسياسية. فبالرغم من ثورة العلوم الاجتماعية» فإن الخطاب العربي لم يتجاوز بعد المقولات العاطفية الوجدانية المرتبطة باللغة والتاريخ والمصير إلى المقولات العقلية الواقعية التي لها علاقة بالهياكل الاقتصادية والصراع الاجتماعي والتنمية والسياسة الدولية، حيث لم يعد جائزاً بعد الكوارث والتراجعات القومية في العقود الأخيرة، أن تحجب التمنيات عن العقل العربي -مهما كانت نبيلة وسامية- حقيقة الواقع المحيط به، بمختلف أبعاده التاريخية والمعاصرة، وإلا تحولت إلى مستحيلات لا مكان لها في ذلك الواقع، وإذا كان خطاب مطلع القرن العشرين قد نبَّه إلى علل الجهل والفقر والمرض كعوائق أساسية لانطلاق العرب في العصر الحديث، فإن الخطاب الجديد لابد أن يذكر بعلل أكثر خطورة، نبَّه إليها الأنصاري، في ختام رؤيته النقدية، وهي: التخلف المجتمعي المؤدي إلى تخلف العمل السياسي، وتقليص القدرة على الإنتاج، والتخلف الذهني المؤدي إلى تخلف المسلكيات في التعامل العام والقيم المدنية. وفضل الأنصاري أن ينهي رؤيته بإيجابية تتعارض مع السوداوية التي طغت على التشخيص، فألمح إلى بعض الجوانب المضيئة والمؤشرات الإيجابية العربية، هنا وهناك، مثل بعض النجاحات، مثل بعض الانعطافات الديمقراطية، ومنها المشروع الإصلاحي في مملكة البحرين وما جاء به من تحولات إيجابية، والمكانة البارزة التي باتت تحتلها المملكة العربية السعودية الشقيقة التي «تحقق تقدماً متوازناً يؤمن الجبهة العربية والخليج»، والمنجزات المهمة التي تحققت في تونس «على صعيد التقدم الاجتماعي، وخاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة وتنظيم الأسرة»، وفي «عدد آخر من الأقطار العربية ثمة مؤسسات وظواهر وانعطافات مهمة ولافتة ولكنها غير كافية».

تلك بعض أهم الومضات من مشروع فكري كبير، يستحق الاهتمام من الوسط الثقافي والأكاديمي البحريني والعربي، مع دعوة إلى إدراج هذا المشروع ضمن المقررات الدراسية في العلوم الإنسانية في الجامعات البحرينية، ولم لا أيضا الإعلان أيضا عن جائزة فكرية بحثية تحمل اسم الانصاري، وتكون موجهة إلى الشباب الجامعي العربي بالدرجة الأولى، محورها دراسة وتحليل هذا المشروع، وتجاوزه بالجديد من الرؤى والآفاق الفكرية غير المرتادة. وسوف يكون ذلك أفضل تكريم لهذا المفكر البحريني والعربي الكبير، وتحقيق الاستفادة القصوى من إرثه الفكري الغني، والذي أسهم في نشر ثقافة تنويرية في مواجهة النزعات الدغمائية البليدة، التي تدور في أفق الأيديولوجيا، أو في دائرة الأصولية المريضة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا