النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

«الاستشراق»

الجزيرة العربية في عيون الرحالة الغربيين (8-12)

رابط مختصر
العدد 10950 الثلاثاء 2 أبريل 2019 الموافق 24 رجب 1440

لم تكن النظرة الغربیة واحدة إلى بلاد العرب والمسلمين، وترتقي وتتطور كلما ازدادت بعدًا عن العقدة الصلیبیة والقرون الوسطى، وما رافقها من أكاذیب وأساطیر، ومع هذا زادت الرغبة في عبور صحراء الجزیرة العربية، غیر أن هذا العبور كان متنوعًا بتنوع الرغبة والنوایا، كان هناك أصحاب النوایا الردیئة، قبل الرحلة إلى شبه الجزیرة وبعدها، وكان هناك الذین ذهبوا بنوایا سیئة ثم وقعوا تحت تأثير الإسلام وسحر الصحراء فأسلموا واستعربوا وأقاموا حتى الموت، وكان هناك الذین ذهبوا من الأساس وهم مأخوذون سلفًا بما راح مفكرو الغرب الكبار یكتبونه عن انبهارهم بالرسالة المحمدية وموطنها، كما كانت هناك فئة ذهبت إلى الصحراء، أو إلى -بلاد العرب-، بحثًا عن أنواع جدیدة من الزهور، أو العوسج، أو اللبان، ما سوف یعرف في بریطانیا (بنداء الصحراء أو جاذبیة الجزیرة). في العام 1612 قام الفنان «ليشغو» برحلة إلى المشرق، رسم صورة البدوي، وظلت قائمة في الذهن الغربي إلى أن قام الفرنسي «لوران دارفیو» برحلة إلى المشرق على رأس بعثة تجاریة أوفدها الملك لویس الرابع عشر، لیرسم للمرة الأولى صورة البدوي الفارس التي سیطرت على العقل الغربي منذ ذلك الوقت، ومهدت لدراسة اللغة العربیة في جامعات أوروبا بعد تلك المرحلة القاتمة التي امتدت من العصور الوسطى إلى القرن السابع عشر، وفي العام 1697 كتب الفرنسي (بارتلمیو دربیلو) أن البدوي «یفوق بكثیر أهل المدن من حیث الإرادة الصلبة ورفعة النفس»، لكنه استدرك أن العرب من بدو وحضر على السواء «صبورون كرماء یحبون الشعر والفصاحة»، ویقول الفرنسي داربیلو في كتابه «المكتبة الشرقیة» الصادر العام 1697 إن «البدوي يتفوق بأشواط على أهل المدینة في طیبته وفي رقته»، وقد ساهم المؤرخون الیونانیون، مثل هیرودوس في رسم صورة العربي الفارس، ویقول سترابو إن سكان شبه الجزیرة العربیة كانوا الشعب الوحید الذي رفض أن یوفد سفیر عنه إلى الإسكندر الكبیر، أما هیرودوس فقال إن أحدًا في شعوب العالم لا یحترم وعده مثل عربي الجزیرة، وفي القرنین السابع والثامن عشر بدأت موجة من الإعجاب الأوروبي بالجزیرة العربیة والعرب، كان مصدرها بالدرجة الأولى انصراف المؤرخین إلى الاهتمام بالتاریخ العربي، والى وضع ترجمات كاملة للقرآن الكریم، وفي العام 1734 وضع المؤرخ البریطاني «جورج سیل» ترجمة للقرآن الكریم وتاریخًا للعرب في الوقت نفسه بالكثیر من الإعجاب حتى قال النقاد یومها إنه «نصف مسلم»، وقال فولتیر، لشدة إعجابه بجورج سیل، إن هذا «أمضى 25 عامًا بین العرب»، لكن الواقع أن الرجل لم یغادر بلاده مرة واحدة، إلا أن جورج سیل، الذي یعتبر حتى الآن أحد المراجع الغربیة الرئیسیة في الموضوع، استند كثیرا في كتاباته إلى أعمال دارفیو، التي أثرت بدورها على الدانماركي «كارستن نایبور»، الذي سوف نرى أنه أول الرحالة إلى الجزیرة وأكثرهم رومانسیة وصفاءً، لم یكن الفقر الذي یعاني منه البدوي، في رأي نایبور، سوى جزء من نبله وفروسیته وحبه للحریة، وفي تلك المرحلة كانت أوروبا معجبة بالمجتمع البدوي المحافظ «الذي لم یتغیر منذ الأزل» حسب قول المؤرخين الأوربيين، بینما كانت أوروبا نفسها تتغیر في سرعة وتحبو نحو اللیبرالیة، ویقول لنا نایبور إن البدوي بدلاً من أن یحرث الأرض مثل العبید «كان یفضل شظف العیش والطعام القلیل والملبس السيئ من أجل أن یظل طلیقًا، بدوره تأثر المؤرخ البريطاني إدوارد غیبون، بما كتبه دارفیو ونایبور فامتدح طویلا حب البدو للضیافة والشعر، وتوقف عند محاربتهم للاستعمار التركي في تلك الأیام: «إن العربي رجل یولد حرا». كذلك كان السیر ولیم جونز، صدیق غیبون، أشهر مستعرب في تلك المرحلة، ویقول جونز، الذي كان من أبرز علماء اللغات في أیامه، إن «العرب هم الأمة الفضلى»، وكتب یصف أهل الحجاز الذین التقى بعضهم في كالكوتا قائلا إن«عیونهم ملأى بالنسبة إليّ بالحیاة ولغتهم سهلة وطلیقة وسلوكهم رجولي مهذب وفهمهم سریع وعقولهم حاضرة دائمًا ومتیقظة»، لم یكن ولیم جونز یجهل طبعًا أن العرب لهم، مثل أي شعب آخر، هفواتهم، لكنه لم یكن مستعدًا أن یترك تلك الهفوات تقلل من انبهاره بمزایاهم، وأولها البساطة، وبالمقارنة مع الصراع على النفوذ والسلطة الذي كان قائمًا بین الناس في بریطانیا لم یستطع جونز إلا أن یعجب بتقشف الرجل العربي وشعوره بالحریة الذاتیة والكرامة والتفوق على الیومیات الصغیرة، ولكن بعض المعاصرین لم یتفقوا مع غیبون أو جونز أو جورج سیل والاسكتلندي ولیم لیشغو لم یرَ في العربي شجاعة بل حبا للعصیان، والصحراء لم تهزم، لیس بسبب حب العربي للحریة، والإسكندر عجز عن دخول الجزیرة في طریق عودته من الهند بسبب العطش والمرض والخداع للحسم بین الفریقین، المعارض للأعرابي والمنبهر به، جاء على ید السویسري جان لویس بوركهارت، الرجل الذي رسم عن كثب الملامح البدویة الثابتة الاعتزاز، والحریة، والضیافة ورهافة النفس، لم یقل بوركهارت أي جدید، لكن قوله كان دقیقًا ووصفه كان مسهبًا وأسلوبه لم یكن یقبل الشك، وكان أول أوروبي من أوائل شهود العیان.. وأسس ولیم بدویل مركز الدراسات العربیة في إنكلترا، والعربیة كلغة عالمیة في الدین والدیبلوماسیة والتجارة من الأطلسي إلى بحار الصین، وقد وضع الترجمان وليم بدویل كتابًا جاء فیه بكل المصطلحات التي یستخدمها الرحالة.. مع حلول القرن الثامن عشر، حین أخذ العلماء والدارسون یفضلون ّهذا الأمر، وهي الحقیقة التي بدؤوا یتعرفون إلیها عن كثب، بین الخرافات التي نسبت للصحراء العربیة، یقول ثوریكلد هانسن في وصفه لسیرة الرجال: في هذه الصحراء لا مشاكل هناك، الحیاة هادئة والناس تستیقظ مع بزوغ الفجر وقبل شروق الشمس، وفي الفجر قبل أن تظهر الشمس وتشعل النار في ثوب النهار، یكون العربي قد أشعل موقده وتربع أمامه وراح ینتظر القهوة أن تغلي، ولا تلبث كرة الشمس أن تشع في الأفق ثم تندفع بلا هوادة، لا شيء آخر یحدث، ولا زغردة عصافیر تعلن بدایة النهار، وصوت الناس هو الصوت الوحید الذي یخرق ستار الصمت العظیم، كل شيء یبدو وكأنه یحصل لكي یمكن المرء من التأمل في حیاته بدقة أكبر، ولا شيء آخر سوى صوت الإنسان في الصمت وآثار أقدامه في الرمال، هذا هو الإطار الذي كان یحیق بالدانماركیین حین انطلقوا.. اخيرا جاء الدنماركي بوهلعام (1850- 1932)، درس اللاهوت وتعلم العربية، درس بجامعتي فينا وليبزيج 1876م-1978م، زار العديد من البلاد العربية والإسلامية منها مصر وفلسطين وسوريا ولبنان وتركيا، نال الدكتوراه في النحو العربي وتاريخ اللغة، عمل أستاذًا «للعهد القديم» بجامعة كوبنهاغن، من آثاره كتابه عن الرسول، وترجم معاني بعض أجزاء من القرآن الكريم إلى اللغة الدنماركية، الاستشراق والحديث، ويقول المستشرق الأمريكي إدوارد جيبون (1737-1794) في كتابه: (المسلمون) إن دين محمد صلى الله عليه وسلم خال من الشكوك والظنون العقلية، والقرآن اكبر الدلائل على وحدانية الله، فبعد ان أنهى محمد صلى الله عليه وسلم،عبادة الأصنام والكواكب نجد بالجملة ان دينه اكبر من ان تدرك عقولنا أسراره وإعجازه وخباياه، ومن يتهم محمدا صلى الله عليه وسلم في خلقه أو تفكيره أو تشريعه، فإن ذلك من سوء التدبر أو بدافع من العصبية الرعناء، ويكون خيرا للإنسان ان يكون معتدلا في آرائه، مستقيما في تصرفاته، منصفا في أحكامه على الآخرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا