النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10973 الخميس 25 أبريل 2019 الموافق 20 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

ثورة النساء في إيران

رابط مختصر
العدد 10943 الثلاثاء 26 مارس 2019 الموافق 19 رجب 1440

إيران الملالي كالمرجل على النار تغلي، شعب يغلي وسلطة تصب الزيت على النار، ويوماً بعد يوم والمسافة بين السلطة والشعب آخذة في الاتساع، تتعالى أصوات الاحتجاج وتكمم، وتتوالى مسيرات المطالبة بالحقوق الشرعية وتقمع، التكميم والقمع هما أدوات الوصل بين السلطة والشعب، ولا حياة لمن تنادي، ولا حياء في سلطة لا تبالي. فواقع الحال في إيران أن السلطة في طبيعة ذاتها لا تمثل الشعب، والشعب يقتنع يوماً بعد يوم بأن نظام الملالي قد عفا على نهجه الزمن، ونظام بهذه الطبيعة الايدولوجية التي يروج لها ويستميت من أجلها، والمنغلق على أوهامه الغيبية، ليس مؤهلاً أن يدير شؤون وطن وشعب. وقد بلغ الاستياء بالشعب أن النصف الأنثوي منه قد عبر عن ملله وتململه من وصاية جحافل العمائم على حياتها الشخصية والأسرية والمهنية، فقد بلغ الهوس الأحمق بهذا النظام أن أطلق العنان لأذرعه القمعية أن تخترق حدود العذرية والحشمة وعرف الرعاية للمرأة، المرأة الأم والمرأة الإنسانة، بفرض حزمة من الوصايا المكبلة لحريتها وبفرض أحكام مخلة لكرامتها وبفرض إجراءات تحد من حقوقها إلى حدود الصفر، وعت المرأة الإيرانية بفطرتها الأنثوية والإنسانية وبإرثها التاريخي العظيم أن سلطة الملالي، الدخيل على الحضارة الإنسانية، تضعها في قائمة النجاسة وتعتبرها في الوجود نكرة. فأبت وقامت وانتفضت... فرفرفت في أفق سماء إيران راية المعارضة تحملها أذرع ناعمة في طبيعتها قوية في إرادتها مصممةً لتحقيق أهدافها، والهدف الأسمى لهذه المعارضة الأنثوية الرائدة الرائعة هو إزالة غيوم الغم عن سماء الوطن...
 نسرين سوتوده امرأة إيرانية في السادسة والخمسين من العمر تنتمي إلى سلك القضاء، فهي محامية، ترفع راية المعارضة، مع باقة رائعة الجمال من مثيلتها في رقة الأنوثة، ضد نظام الملالي في وطنها، منهكة بفعل طبيعة العمر وثقل الزمن، وقد أضاف النظام المتهالك ثقل فشله في إنهاكها اكثر بهدر كرامتها وحرمانها من حريتها الطبيعية والاجتماعية والوطنية والإنسانية، فقد جعل النظام الإيراني من المرأة كياناً نكرة، لأن سدنة النظام الفاسد الفاشل توسم المرأة بالنجاسة، بينما روائح النجاسة تفوح من النظام نفسه، والإناء بما فيه ينضح. رغم حالة الإنهاك المزدوج (الطبيعة والنظام) إلاّ أن نَفَسَ الحرية التواقة إلى كسر قيد العبودية عن كاهل المرأة في عموم وطنها، أبت علبها إلاّ أن ترفع صوتها، وهي تخلع حجاب الاستبداد عن طهر رأسها، ضد النظام المتعطش للسلطة المطلقة، نظام متعفن بفعل الارتداد إلى ما وراء التاريخ إلى كهوف الماضي....
خلعت نسرين الحجاب، وخرجت تطوف شوارع طهران في جمع من النساء، تنادي بالحقوق والحرية ورفع الوصاية عنها، لم تتعدَ على أحد، لا كلاماً ولا فعلاً ولو كان من أزلام السلطة، لم تقم بأي عمل تخريبي، ولم تحمل السلاح، ولم تنادِ حتى باسقاط السلطة، فقد كان جُلَّ فعلها نداء «أين حقي؟ ومن حقي أن أسترجع حقي المسلوب». لم تستطع السلطة المهووسة بالسلطة المطلقة، التي لا تعترف بالحقوق ولا بكرامة الانسان، أن تستسيغ هذه الجرأة من المرأة التي بجب عليها، في عرف السلطة، أن تقبع بين الجدران في سجن الزوجية وتستجيب للإله بعل رب الأسرة وتعبد الإله الأعظم رب الأرباب ولاية الفقيه وسلطة الدولة، فليس من حقها وليس من حق بقية أبناء الوطن سوى الطاعة العمياء لنائب السماء على الأرض، نائب الله في الحياة الدنيا، وأن من ابتغى غير ذلك سبيلا، فقد حبطت أعماله وحق علبه العذاب في الدنيا وفي الآخرة... فكان الحكم القضائي من سدنة هذا النظام، الذي يتنفس هوس العظمة، بحرمان هذه المرأة البريئة المسالمة من حق الحياة بالسجن ثلاثاً وثلاثين عاماً، وإذلالها وإهانتها والحط من كرامتها أمام جمع من الناس في ساحة عامة بالجلد 148 جلدة. إن كان مجرد المطالبة الكلامية السلمية بالحق يواجه بهذه العقوبة المفرطة في الظلم وفي إهدار الكرامة، فما بال الذين يرفعون الصوت عالياً بضرورة تغيير النظام؟ وحقاً فإن النظام قد دنا وتدنى ويوماً بعد يوم يقترب من النهاية الطبيعية المرتقبة والمتوقعة...
لا شك إن القمع مرعب مذل مخيف، حتى الجبابرة من عظماء الرجال تهاب رعب القمع وظلمه، ولكن إرادة الانسان الحر أقوى من سيف القمع...
عندما ترفع المرأة في أية دولة راية المعارضة ضد النظام الحاكم، يكون السيل قد بلغ الزبى، وتلك إشارة بأن النظام قد حرق كل الخطوط الخضراء والبيضاء وتخطى الخطوط الحمراء بشأن حقوق الانسان في تلك الدولة، وأن المعارضة النسائية، مع ما تشير إليه من علامات فقد الأعصاب عند عصابة النظام، هي إيذان بأن النظام متهالك وهو في حكم الآفل إلى زوال. نظام الملالي يفقد آخر خيوط أعصابه أمام نضال المرأة وإصرارها على استرجاع حقوقها الطبيعية والإنسانية والوطنية، مضافاً إليها بقية الحقوق لكامل الوطن، ولا يمكن لهذه الصرخة الأنثوية الهادرة والصريحة في وجه النظام القمعي الآيل للسقوط إلاّ أن يحفز الانسان المواطن في كامل ربوع الوطن من الرجال (النصف المكمل للأنثى)، لأن كرامة الوطن بروحها الإنسانية تأبى ترك الأم والزوجة والإبنة دون مشاركة من الأب والزوج والابن في مسيرة النضال ضد التخلف والقهر، ضد عصابة تتدثر بعباءة الدين وتتعمم بعمامة الطائفية وتمسك سيف السحل والقتل بيد وسوط التعذيب والإذلال باليد الأخرى... لقد أثبتت أنظمة العصابات في العالم عبر التاريخ أنها لا تتحمل سماع نداء «أين حقي؟»؛ إن هذا النداء المنادي بالحق، سلاحه الفكر وفعله النطق وروحه الإصرار، لا عنف ولا ضر ولا إرهاب، نداء سلمي من أجل السلام، السلام الذي يصون الحق ويرعاه... إن صرخة «أين حقي؟» تفقد علي بابا والأربعين حرامي (عصابة الحكم) توازنها العقلي وتزلزل خيوط أعصابها، وتدفعها دفعاً لا إرادياً إلى مثواها الأخير، حيث الردى متبوعاً بالخزي والعار في مزبلة التاريخ.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا