النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11002 الجمعة 24 مايو 2019 الموافق 19 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

ثرثرة الحرب والتحريض ضد فنزويلا

رابط مختصر
العدد 10915 الثلاثاء 26 فبراير 2019 الموافق 21 جمادى الثاني 1440

أمريكا وفنزويلا على شاكلة أمريكا وكوبا. بعد تحرر كوبا من مخالب بارونات سلطة المال وسدنة الرأسمالية في أمريكا، عملت المؤسسة الإمبراطورية الامريكية الفعائل والعجائب وجميع المناكر والمنكرات لاستعادة الحديقة الكوبية، ولكنها باءت كلها بالفشل، مما دفع بأمريكا إلى استخدام سلاح العاجز عسكريًا والمقتدر اقتصاديًا وسياسيًا، بفرض حصار التجويع ضد الشعب الكوبي أملاً في دفعه للتمرد ضد قيادة فيدل كاسترو، منذ الستينيات، أي أكثر من نصف قرن، وهذه السياسة التجويعية الآثمة تثبت فشلها، فشل يلحق العار بها، وتؤكد أن إمبراطورية العصر في أفول، حتى أن الحليف الأوروبيأخذ يعبر عن تململه وحرجه من سياسة الحصار ـ العار ضد كوبا. لا شك أن الإمبراطورية في حاجة ماسة إلى أن تطمئن في محيطها الإقليمي ـ القاري حتى تتمكن من العمل براحة بال في الساحة الدولية، خاصة وأن الساحة الدولية ابتدأت في سحب سجادتها من تحت أقدام الامبراطورية الامريكية، وأكثر المؤشرات دعمًا لهذا الاستقراء، وهو أفول الوهج الأمريكي، هو الدور الأوروبي الآخذ في الانكماش عن مواصلة الارتباط الكلي بأمريكا، حتى بعض المواقف الاوروبية المؤيدة لأمريكا ما هي سوى بقايا من التزامات لا يمكن في هذه المرحلة تلافيها. فماذا باستطاعة أمريكا أن تفعل بفنزويلا (المشاغبة والمارقة ؟!!!)، ليس بإمكانها فعل شيء في إطار الشرعية الدولية، ولا هي في وارد ترك فنزويلا تتصرف بحرية وتغرد على هوى مصالحها الوطنية خارج الجوقة الامريكية، إذاً فلا بد من فعل شيء، أي شيء، وإن بدى عبثيًا ومتخطيًا حدود الشرعية الدولية والقانون الدولي، فهي ما زالت تملك بعض أوراق قوة التنمر والتهديد، فهي رغم قدراتها، ولا أحد يشك في ذلك، إلا أن هذه القدرات فقد فاعلية المقدرة، فكل سياساتها العسكرية في العالم باءت بالفشل بعد المنعطف التاريخي في فيتنام عام 1975، وقبل ذلك عجزها أمام كوبا. فسياساتها، خاصة العسكرية منها، أصبحت عبثية، وهي مكلفة لأمريكا نفسها سياسيًا وماليًا واقتصاديًا، وما الأزمات الاقتصادية المتوالية المرهقة إلا بعض من تبعات هذه العبثية التي تأكل الأخضر واليابس وتسوي المدن بالأرض وتُقْبِرُ الألوف من البشر، والمحصلة مزيد من التورط في وحل العجز وعدم القدرة على الخروج منها وتآكل الاقتصاد دون تحقيق أي مكسب سياسي سوى فقدان السمعة والمكانة بين الشعوب والأمم. هذه العبثية، هي مرحلة التعبير عن العجز ـ عجز العزة بالإثم ـ وهي مرحلة طبيعية على مسار دورة الحياة، من النشوء إلى الأفول. قد تكون عبثية أمريكا في فنزويلا اليوم هي منعطف من العبثية إلى مراجعة الحسابات، لأن هذه العبثية محفوفة بالمخاطر للأمن الامريكي ذاته، أمريكا ليست في وارد أن تتحول عبثيتها في فنزويلا إلى مغامرة لا يمكن التنبؤ بنتائجها، بمعنى أن هذه العبثية، إذا انفلتت من عقالها، قد تفتح بابًا لحرب في القارة الامريكية، على شاكلة الحرب في سوريا وليبيا، وهذا ما يفزع أمريكا ويقض مضجع سياساتها وبارونات المال فيها. نعم لعهود وأمريكا بعيدة عن حرائق الحروب ولهيب الصراعات، وكانت تحسم الأمور بسرعة في القارة الجديدة و تطمن نفسها في حدائقها الخلفية، رغم وجود حديقة كوبا (المارقة!!!)... إن الحدائق المارقة في القارة الامريكية آخذة في التكاثر عددًا وفاعلية.. فهل أمام أمريكا من مخرج من هذا التطور الواقعي ذات الشرعية الوطنية، والذي لا يمكن تخطيه في ظل الشرعية الدولية ومواثيق العلاقات الدولية والقانون الدولي؟ مع هذه التطورات التي تستند على قاعدتي عدم جدوى الحلول العسكرية مع ازدياد الهوة بين الحليف الأكبر وهي أوروبا، وما نتج عنهما من تجذر الإرادة الوطنية والمصلحة الوطنية بعيدًا عن النفوذ الامريكي، فإن أمريكا أمام منعطف تاريخي حاد لا سبيل إلى تفاديه، وهذا الوضع الذي تعيشه أمريكا اليوم يختلف جوهريًا عن وضعية فيتنام بعد الانسحاب الفرنسي منها عندما قال جون كيندي إن الأمن القومي الامريكي يقتضي من أمريكا أن تحل محل فرنسا في فيتنام. فيتنام تبعد ألوف الأميال عن أمريكا، والحرب فيها لا تمس شعرة من أمريكا، بينما اليوم الوضع قد انقلب على الهوى الامريكي، حيث أن فنزويلا هي حديقة خلفية لأمريكا، وأن أي صراع عسكري، وحتى حرب أهلية فيها، فإنها ستكون كارثية على الأمن القومي الأمريكي، وهذا ما تعيه أمريكا وعيها لجلدها على عظمها. وهذا الوعي له حسابات مصيرية مؤلمة تجبر الجانب الأمريكي عدم الانخراط في أية مواجهة عسكرية، وحتى عدم السماح لأي صراع عسكري طويل المدى في فنزويلا... 

الدور الأمريكي قد تحول من اللعب باليد الى اللعب بالذيل، تحول من الإقدام إلى التردد، تحول من الهجوم الى التهديد، تحول من السيف الى اللسان، تحول من الفعل الى العبث... منذ الاندحار التاريخي في فيتنام والعسكرتارية الأمريكية في تأرجح بين المغامرة غير المحسوبة الى التهديد المتردد ببعض من ألف ـ باء الحساب، وهذا ليس تقليل من شأن أمريكا بل استقراء لمسار الدورة الحياتية لكل الأشياء وخاصة الأشياء العظيمة مثل الإمبراطوريات، فما من إمبراطورية، منذ بداية التاريخ، استطاعت أن تعطل فعل قاعدة القدر، قدر الدورة الحياتية. كل الإمبراطوريات كانت ذات فاعلية في حروبها الأولى، وما أن تتحول حروبها إلى مجرد دمار وعجز من الخروج منها وإلى وحل سياسي واستنزاف اقتصادي حتى ندرك أن الأفول قد دنى من تلك الإمبراطورية، وأول علامة لهذا الأفول بانت بوادرها مع الغزو الفاشل ضد كوبا بما يعرف بخليج الخنازير، وكوبا حديقة خلفية لإمبراطورية أمريكا، ولها أهمية حرجة بالنسبة لسيكولوجية الطمأنينة عندها.

 لا أحد يشك بأن أمريكا عندها قدرات، ولكن قدراتها تواجه تحديات تحد من فاعلية تلك القدرات... وتجعل من هذه القدرات عبثًا ودمارًا دون تحقيق أدنى مكسب، لا سياسي ولا اقتصادي... أمريكا، والعالم معها، أمام منعطف تاريخي كبير... نكاد نجزم بأن معظم التدخلات العسكربة، إن لم تكن كلها. اللهم تلك التدخلات العسكرية في دول أمريكا الجنوبية وأمريكا اللاتينية، وهي بمثابة الحدائق الخلفية لأمريكا، ولكنها فشلت فشلاً ذريعًا في تدخلها ضد كوبا، ومازالت تحافظ على مسافة اللاحرب بينها وبين كوبا، فكوبا مؤشر على بعض من حسابات أمريكا، وإدراكها بمدى الخطورة التي يمكن أن تنتج عن أي تدخل عسكري ضد كوبا، وبالمنطق نفسه ضد فنزويلا. 

لا شك أن أمريكا تمتلك قدرات علمية وتكنولوجية وعسكرية استثنائية، ولكن كل هذه القدرات أثبتت عجزها أمام إرادة الشعوب التي تحدت هذه القدرات، وبموازاة هذا التحدي تواجه أمريكا تحديًا آخر يمس مكانتها، مكانتها كإمبراطورية العصر، يبدو أن هذه الإمبراطورية آيلة إلى الأفول، بفعل قدر الدورة الحياتية، وأنها كأختها بريطانيا التي لم تكن الشمس لتغيب عنها ذات يوم، وهي في سبيلها إلى الانكماش الوطني والالتزام بالشرعية الدولية واحترام القانون الدولي... فهي اليوم رغم طبول الحرب الإعلامية واللسانية (خطابات ترامب) فإنها واعية بأنها غير قادرة على التدخل العسكري في فنزويلا، فالحل في فنزويلا لا بد أن يكون محليًا ـ وطنيًا بين الأطراف المتنافسة وبأدوات الحوار السياسي وتجنب حرب أهلية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا