النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10908 الثلاثاء 19 فبراير 2019 الموافق 14 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:07AM
  • المغرب
    5:33AM
  • العشاء
    7:03AM

كتاب الايام

من قلالي إلى موسكو...

رابط مختصر
العدد 10890 الجمعة 1 فبراير 2019 الموافق 26 جمادة الأول 1440

بعد حديث مطول ركز كله في الشخصية البحرينية ومكوناتها ومقوماتها وسماتها الأبرز كالطيبة والتسامح والانفتاح والثقافة، جمعني بمجموعة من الروس قابلتهم مصادفة في أحد المطاعم السياحية الجميلة بعاصمتنا الأجمل المنامة، استوقفني سؤال أحدهم لي قبل أن نتفارق، وهو سؤال من الطبيعي أن يسأله الروس أو الناطقون بالروسية للمتحدث بلغتهم، «من أين تعلمت اللغة الروسية؟» وأضاف متسائلاً: «يبدو أنك تتكلم لغتنا من واقع تعلم أكاديمي، وليس من باب الممارسة فحسب..».
قلت من الطبيعي أن يسأل الروس مثل هذا السؤال، فبمثله لا يسأل المتحدث باللغة الإنجليزية. وبعد إجابتي عن السؤال، بشيء من الزهو نظير المديح رغم ما شاب حديثي معهم من تأتأة وتوقف للبحث عن مفردات زاغت مني وغمرها الزمن بالنسيان، وتعثر أحيانا أتداركه بالتفكر مليا في صياغة جمل صياغة سليمة قابلة للفهم! لذت لا إراديًا بالذاكرة أستحضر مشاهد ووقائع مركونة في زاوية هناك من دفتر خبراتي وذكرياتي كل هذه المدة من الزمن، لا يحرك سكونها واستكانتها إلا مثل هذه اللقاءات المتباعدة زمنيًا، أو اللقاءات العابرة مع بعض أصحاب ذاك الزمن الجميل، زمن الشباب الذي غادرنا مأسوفًا عليه ومتبوعًا بالحسرات.
 واللافت هنا هو أنه بات من النادر أن تلتقي مع كثير منهم رغم صغر مساحة مملكتنا الحبيبة التي تضمنا بين حناياها. فضلاص عن أن هناك بعضا ممن كانوا أصدقاء قد قرر أن يتخذ إزاءك موقفا راديكاليًّا بناءً على موقفه المناقض لك حول أحداث «الدوار» الطائفية. وإني لا أبالغ في قولي هذا، لأن لي صديقًا عزيزًا انقطع اتصالي وتواصلي معه منذ فبراير 2011 لهذا السبب!
 حديث أوجاع الدوار وتنكّر الأصدقاء مؤلم وذو شجون، ولكن دعنا منه لنرتحل قليلاً في دفاتر الزمن لأحدثكم عن بعض مما كان: تعود هذه المشاهد والوقائع المترعة بالصور الجميلة التي التقطتها عدسة الزمن واستأمنتها الذاكرة إلى فترة سبعينيات القرن الماضي، وهي فترة الدراسة الجامعية التي كانت موسكو، العاصمة الروسية (السوفيتية سابقًا) مكانًا لها، وجامعة الصداقة بين الشعوب حضنها ومنهلها. استحضرت من الذاكرة موقفا وقع في بداية الستة الأشهر الأولى من الدراسة التمهيدية لتعلم اللغة، وما صاحبها من مواقف وطرائف لن تنسى مهما تقدّم بنا الزمن وتعاقبت السنون. يفصلني عن سنوات الدراسة التمهيدية - وهي فترة ستة أشهر تسمى تحضيرية- حتى اليوم أكثر من أربعين عام، وهي ماتزال حاضرة في الذاكرة يكسوها غبار النسيان، ولا يتطلب من المرء أمر استعادتها طرية إلا مشاركة من تزامل معه هناك في المهجر الأكاديمي وشاركه جمال الحياة المعجون بـ«شظف العيش» لمحدودية «الاستبندي» (المخصص الشهري) الذي كان يبلغ تسعين روبل. وكان أغلبنا، وأنا واحد منهم، ينهيه في أيامه الثلاثة الأولى! لا تعجب قارئي الكريم، كيف كنا نكمل بقية أيام الشهر، فعلاقة الصداقة بين البحرينيين في المهجر الأكاديمي قوية بما يكفي بحيث كانت تسند وتسد هذا الجانب.
 يرتسم مشهد في الذاكرة لا أنساه، وهو أننا عندما التقينا في «سورك فتروي» بشارع «ميكلوخا مكلايا» في العاصمة الروسية موسكو، حيث تقع الجامعة والسكن الطلابي، كنا قد جئنا من مناطق متفرقة في البحرين. ورغم أن هذه المناطق قريبة جدا في ثقافتها وتقاليدها إلا أن درجة الانفتاح الاجتماعي بيننا كانت مختلفة فالقادم من العاصمة كان أقرب، ليس كثيرًا ولكنه أقرب، إلى الاندماج في المجتمع «الموسكوفي» الفسيفسائي، وأقل منه درجات ذاك القادم من مدينة المحرق، حيث إن مجتمعات المنامة والمحرق مختلطة على عكس قرى البحرين في فترة السبعينيات. هكذا كان الحال معي حيث كنت قادما من قرية صغيرة جدًا حتى أن اسمها لم يكن، في تلك الفترة، معروفا لدى بعض من القادمين من قرى أخرى في البحرين. وأذكر في هذا الإطار أن رحلة للتعارف نظمتها لنا رابطة طلبة البحرين هناك إلى إحدى ضواحي موسكو «بدمسكوي»، وكان بيننا أحد أبناء العاصمة، وهو واحد من قليلين كان يعلم أنني قادم من قرية «قلالي»، كان يرمقني بنظرات شعرت منها أن لديه تعليقا ما يريد طرحه، فبادرته إلى الاستفسار «أراك تمعن في النظر إلي. إنشاء الله خير بس؟!» قال: «لا بس أقول في نفسي: «الله من قلالي إلى موسكو! قلت له مداعبًا لعلي ذكرتك بفيلم «بدوية في باريس». وأضفت قائلاً: وسجل عندك أيضا أنني أول مواطن بحريني من قلالي تطأ قدماه موسكو، على حد علمي، وسأكون أول المتحدثين بلغتها!
 وجودي في موسكو لمدة ست سنوات قبل أكثر من أربعين عامًا، أسهم بلا شك في نحت بعض من ملامح شخصيتي، وجعلني في لقائي مع مجموعة الروس الذين ذكرت أني قابلتهم أشعر بالزهو لأني أتحدث الروسية، وأجيد التواصل مع ثقافات وحضارات ما كان لي أن أتواصل معها لولا جيل بحريني متفتح متسامح متطلع أبدًا إلى التواصل مع الآخرين مثاقفة وتأثيرًا وتأثرًا. لا شك أن في الذاكرة مشاهد وصورًا كثيرة عن رحلتي الموسكوفية. كما أن هناك شخصيات من البحرين ومن بلدان أخرى، بنين وبنات، بنيت معها علاقات إنسانية كانت ولاتزال تمثل مصدر فخر لي وأشير إليها ببنان التقدير والاحترام. وأتمنى صادقًا أن تتاح لي الفرصة لتوثيقها شهادة عن جيل من أجيال البحرين الجميلة، متى سمح القلم والوقت بذلك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا