النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

الخيــــــانــــة

رابط مختصر
العدد 10883 الجمعة 25 يناير 2019 الموافق 19 جمادة الأول 1440

بداية أنوه إلى أنني بهذا المقال الذي يحمل «الخيانة» عنوانا لا أشير به، وبإصبع مضاء، إلا إلى بعض الأحزاب أو الجمعيات السياسية الدينية العقيدية التي تعمل، على الدوام، بوضوح تام على إسقاط أنظمة الحكم القائمة بالتخابر والتعاون مع دول أجنبية، والعمل على التفريط في استقلالية القرار الوطني ورهن السيادة الوطنية لدى دول ثيوقراطية مثل إيران، أو دول علمانية الدستور إخوانجية التسيير مثل تركيا، وهي بالمناسبة أحزاب أو جمعيات معروفة لدينا ولا يراد لمن رام معرفة حقيقتها كثير فطنة، إذ هي أحزاب أصولية موجودة في كل الأقطار العربية تقريبا، بانت نواياها جميعا قبل ثماني سنوات عندما عزفت كل أحزاب الإسلام السياسي على وتر ما عُرِف بـ«الربيع العربي» وهو في حقيقته خريف يابس الزرع!
ما أثار لدي الرغبة في تناول هذا الموضوع لتأكيد المؤكد هو عمود الكاتب عبدالمنعم ابراهيم مدير صحيفة «أخبار الخليج»، وعنوان المقال «إيران تعتمد على (الخونة العرب) في تصدير الثورة». فمنذ العام 1979، عام «ثورة» ملالي إيران أُنشئت في إطار موجة تصدير الثورة التي كانت ولا تزال مقومات رئيسة من مقومات سياسة عصابة الملالي التي سرقت من الشعب الإيراني هبته ضد نظام الشاه، وضمن هذا الإطار بُعثت أحزاب وتغيرت قناعات لتصب كلها في خدمة النظام الإيراني الثيوقراطي وسياساته العدوانية التي لا ينبغي أن ننسى أنها الملاذ الذي يلجأ إليه ملالي طهران كلما هب الشعب متذمرا من أوضاعه المعيشية أو حالما بشيء من الحرية وبعض من الديمقراطية.
من نافل القول اعتبار الخيانة صفة بشعة تنم عن انحطاط قيمي وتهتك أخلاقي. والمؤكد ألا أحد يُجادل في أن جذور الخيانة تعود إلى قصور حاد في التربية المواطنية، وضمور في الولاء وضعف في الانتماء الوطني، وعليه ينبغي أن تنصب جهود مؤسسات الدولة والمجتمع على الاعتناء بالتربية على هذه القيم وألا يُترك شأنهما عرضة لتدخل العقيدة والمذهب والأيديولوجيا، فكثيرا ما تعمل هذه الأركان الثلاثة على فرض العماء على معتنقيها؛ ليكونوا على استعداد للعمل مع الشيطان ضد أوطانهم، ولنا في أحداث «الدوّار» أسوة سيئة ينبغي أخذ منها الدروس والعبر. الخيانة فعل يجري بعيدا عن الأعين ومحاط بالسرية، إلا أنه حين ينكشف يكون انكشافه مدويا مصحوبا بكلفة مادية ومعنوية باهظة وبجهود مضنية ستصرف في سبيل معالجتها ومداواة آثارها الماحقة، مع احتمالات أن تخفق الدولة والمجتمع في المعالجة، سواء أكانت هذه الخيانة خيانة وطن أو مجموعة من الناس أو صديق أو حبيب، أو حتى أخ لأخيه!
للخيانة عدة أوجه وأفدحها خيانة الوطن، أي حين تتصل هذه الخيانة بتقويض استقلال بلد ما وأمنه واستقراره، فإن هذا النوع من الخيانة يوصم بأعلى الدرجات خطورة؛ لأنها تتصل بكينونة الوطن وبقائه مستقلا، وبسلامة العباد ماديا وأدبيا، لهذا اتفقت البشرية في مشارق الأرض ومغاربها على نعتها بالخيانة العظمى. وقد شهدت كثير من الدول مثل هذه الخيانات وعادة ما تكون العقوبة القانونية المستحقة الإعدام أو السجن المؤبد لمن يدان بالخيانة العظمى. ولو وجدت عقوبة أشد إيلاما من هاتين العقوبتين السالبتين لحياة الخائن حقيقة ومجازا لسُلطت على خائن بلاده. هذا النوع من الخيانات، المتصل بخيانة الأوطان، هي ما سوف ينصب عليه حديثنا في هذا المقال؛ لأن المجتمعات العربية الإسلامية بشكل أساسي هي التي يتلبس أفرادها أقنعة الخيانة، وخصوصا المؤدلجين والطائفيين منهم.
الجدير بالذكر هنا أن الخيانة في كل الأزمان وفي كل السياقات كانت تتم بالسرية التي يصعب معها انكشاف سر الخائن وأمره، بل ويستحيل كشفها إذا ما كان جهاز الاستخبارات لأي بلد من البلدان التي يرتع فيها الخونة ضعيفًا، إلا في زمننا هذا فإنها تتم في وضح النهار وعلى المكشوف، بل أحيانا نجد الخائن يصرح بخيانته مزهوا، كما هو الحال مع خيانة الإرهابي الأكبر حسن نصرالله لوطنه وأمته، وتصريحه بالدفاع عن إيران والعمل لحسابها بدلا من أن يعمل لوطنه، وقد أكد في أكثر من مناسبة «أن مكانة ولاية الفقيه فوق الدستور اللبناني، وتنفيذ أوامره واجب إجباري»، ومثله في ذلك كمثل خيانة الإخوان المسلمين لأوطانهم وعملهم ليل نهار على تحقيق فكرة الخلافة التي هي فكرة ترتكز على إسقاط الأنظمة القائمة لحساب المجهول! أكتفي بهذين المثالين اللذين يمكننا تبيين آثار وقائعهما المدمرة حتى هذه اللحظة في كل الأنساق المجتمعية، وقس عليهما كل الارتكابات الخيانية التي يأتي بها كثير ممن اتخذ من الدين ستارا، أفرادا وجماعات.
مروجو الخيانة بين ظهرانينا والإشكالية في مواجهتهم هي أنهم يعملون على تصوير هذه الخيانة على أنها خدمة للدين والمذهب. هؤلاء هم من يجب التصدي لهم بفضح أجنداتهم والتضييق على مصادر تمويلهم ودعمهم حتى نتمكن من تجفيفها، والعمل على دعم نشر فكرة المواطنة التي أراها المواجهة الأيديولوجية الحقيقية للخونة ومشروعاتهم التدميرية. الخيانة آفة ماحقة ولا يمكن مواجهتها إلا ضمن رؤية شمولية منظومة متكاملة الأبعاد يتداخل فيها الأمني والقضائي والتربوي والاقتصادي والفكري والديني. لذا لا يجب أن يقتصر العمل ضد الخيانة على أجهزة الأمن والاستخبارات. نعم اليقظة مطلوبة بطبيعة الحال، لكن ينبغي ألا نغفل الدور التربوي والإعلامي والوعظي لنبعد الناشئة وبسطاء الناس عن أن يغرر بهم، ويخوضوا مواقع لا يعلمون ماهيتها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا