النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10968 السبت 20 أبريل 2019 الموافق 15 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:04PM
  • العشاء
    7:34PM

كتاب الايام

كرم مطاوع .. مخرج لكل العصور

رابط مختصر
العدد 10873 الثلاثاء 15 يناير 2019 الموافق 9 جمادة الأول 1440

يعتبر الفنان والمخرج المسرحي المبدع الكبير «الراحل الحيّ» كرم مطاوع، واحدًا من أهم عمالقة المخرجين المسرحيين العرب الذين أسهموا في تأسيس وعي مسرحي جديد في حراكنا المسرحي العربي السبعيني، أكثر تحديدًا، فقد كان سليل فكر قومي منفتح على رؤى عميقة ومؤسسة في المسرح العالمي، وخاصة تلك الرؤى التي استقطرها من بيئة دراسته الأكاديمية في المسرح الإيطالي، وتلك الرؤى التي تماهى معها حبًا ورغبة عارمين في نهل الجديد والمغاير من مسرح الجوار الأوروبي، في النمسا وبريطانيا وفرنسا، لتشكل على صعيد المراس المسرحي في مصر، وهجًا خلاقًا تظافر مع رؤى الإبداع المسرحي القرين للتجربة والتي كان أهم مؤسسيها آنذاك، المخرجون سعد أردش وأحمد عبدالحليم ونبيل الألفي، والكتاب ألفريد فرج ويوسف إدريس ونجيب سرور، رحمة الله عليهم، والذين أسهموا في تأسيس مسرح الجيب، وشكلوا حراكًا مسرحيًا حداثيًا جديدًا ومغايرًا للسائد الكلاسيكي الذي سبقهم إبان العقود الماضية، رافقته حركة نقدية جادة في حينها، تمكنت من إرساء مكانة هذا الحراك على الصعيد المسرحي والجماهيري في مصر، كما تمكنت من خلق جسور متينة له تصله بالفكر القومي والتقدمي بوصفه المد المتنامي لثورة يوليو الخمسينية.
وكان المخرج كرم مطاوع من بين أقرانه أكثر من لامس بروحه الفنية الإبداعية الجامحة والفذة، القضايا التي تعنى بالعمق الفكري في المجتمع المصري والعربي، وتنوع فيها بوعي حاذق ومخيلة خلاقة، فجاب الشعر والأسطورة والتاريخ وأسيجة الاستعمار والاستبداد والظلم، بروح لا تعوزها جرأة في التصدي أو رؤية في التفسير والتحليل والمعالجة، حتى امتد مداه الخلاق إلى دول عربية قريبة كالجزائر، أو بعيدة نسبيًا عن دائرة أفريقيا كالكويت.
هناك في الكويت، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، حيث كنت طالبًا في قسم النقد والأدب بالمعهد العالي للفنون المسرحية، في مدينة الشامية تحديدًا، التقيت وتعرفت على فارس الإخراج والتمثيل، أستاذ المسرح بجدارة وامتياز، الفنان المبدع العملاق كرم مطاوع، من بين أساتذة كبار تلقيت على أيديهم فنون المسرح، من أمثال الأستاذ أحمد عبدالحليم والدكتور إبراهيم سكر، والدكتور أمين العيوطي الذي أدين له بتوريطي الجميل في النقد المسرحي، والمخرج سعد أردش، والمخرج سناء شافع، والمايسترو يوسف السيسي، والدكتور فؤاد دوارة، والدكتور علي درويش.
وكان الأستاذ كرم مطاوع، الأكثر جدية وأناقة وصرامة، من بين من تعلمت على أيديهم، مهووسًا بدرجة غير عادية بدروسه الإخراجية والأدائية، إذ أن الدرس بالنسبة له، تجربة متواصلة لا تتوقف أو تنتهي عند استراحة بين محاضرتين أو تدريبين، وأذكر أن الوقت الذي يزاول فيه الأستاذ كرم مطاوع تدريباته المسرحية مع طلبة قسم التمثيل والإخراج في مسرح المعهد، لا يمكن لأي طالب من قسم آخر أو من دفعة أخرى أن يرفع صوته في مقهى المعهد، أو يأخذه المزاح مع زملائه إلى حد الضحك، فللأستاذ كرم مطاوع هيبة غير عادية في المعهد، وشخصيته الجادة الصارمة، تجبر كل من هو خارج الدرس أو التدريب على الصمت، وأذكر أنه حين يسمع ولو بعض صوت أو همس مرتفع، كان يخرج من المسرح، ليقف عند الباب دون أن ينبس بكلمة، ليعم الصمت ثانية.
كان الأستاذ كرم مطاوع حريصًا كل الحرص، أن يتعلم منه طلبته ما يحاورهم وما يدربهم عليه بدقة متناهية، وكما لو أنه فعلاً يعدهم لعرض مسرحي في إطار فرقة مسرحية، وكما لو أنه يشعر هذه اللحظة أنه في مختبر مسرح الجيب المصري بين أقرانه من المسرحيين، لا بين طلبة يدربهم ويعلمهم في معهد مسرحي.
انطلاقًا من هذه الجدية الخلاقة، تمكن الأستاذ كرم مطاوع، من أن يخرج أقوى دفعات التمثيل والإخراج في المعهد العالي للفنون المسرحية، على امتداد عمره منذ التأسيس، وأن يجعل من أبناء هذه الدفعات أهم الممثلين والمخرجين في حراكنا المسرحي الخليجي، ومن أهم من تدرب على يد الأستاذ كرم مطاوع، أذكر منهم، من البحرين، الفنان سامي القوز، والفنان خليفة العريفي، والفنانتين أحلام محمد وفاطمة الدوسري، ومن الكويت سعاد عبدالله، مريم الصالح، علي المفيدي، والفنان البحريني في دفعة أخرى قحطان القحطاني، ومحمد المنصور، وفنانين لا تحضرني أسماؤهم اللحظة.
لقد كانت العروض الذي تقدمه دفعات الأستاذ كرم مطاوع، من طلبة التمثيل والإخراج، لها خصوصيتها ونكهتها المميزة، وكان كل طالب أو طالبة في هذه العروض يشاهدهم الجمهور بوصفهم أبطالاً مسرحيين محترفين متمكنين من أدائهم أيما تمكن، وكانت عروض مطاوع يحرص الطلبة والحضور والأساتذة على حضورها، ففيها سحر إخراجي وأدائي لا يقاومان، ودائمًا ما تكون محل جدل ونقاش بين طلبة المعهد وأساتذتهم، وخاصة قسم النقد والأدب، وبين النقاد والفنانين والمثقفين والصحافيين في الكويت، فهو الفارس الذي تمكن من خلق خيول وأحصنة تبهر مُشاهدها وهي تقدم أجمل وأبدع إمكاناتها في مضمار المسرح الطويل والصعب، وكما لو أنه يعيد مجددًا إنتاج هذا الجدل النقدي الجميل الذي رافق تجربته في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بمصر.
وبالتالي نستطيع أن نجزم، بأن الأستاذ كرم مطاوع، أسس لحراك مسرحي حداثي جديد في مسرحنا الخليجي، تمكن من أن ينتج بوعيه الذي تشربه منه أفضل وأكثر العروض المسرحية جدية وإبداعًا، وأذكر في هذه السانحة، إخراج تلميذه الفنان خليفة العريفي لمسرحية (هاملت لكل العصور) لفرقة مسرح الخريجين عام 81 بمسرح الجفير، وهي مسرحية أخرجها لأبناء الدفعة الأستاذ الكبير كرم مطاوع، لنلحظ عبرها مدى تأثيره الخلاق في طرق أبواب جديدة في المسرح، على صعيد الرؤية والتفكير، فهو أستاذ يعيد إنتاج أي نص يقدمه برؤية عميقة ومغايرة تذهل كل من تصدى لنصه، وهكذا كان الحال جدليا خلاقا، في تصديه لمسرحية (ياسين وبهية) لنجيب سرور، و(الفرافير) ليوسف إدريس وغيرهما من النصوص.
كرم مطاوع.. إنه المخرج الرائي المشتعل بوهج المسرح، بهمه وحلمه ورؤاه البعيدة المخاتلة والمشاكسة والخلاقة، والذي أذهلني واستوقفني طالبا بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت، ومحاضرًا في البحرين عندما تمت دعوته من قبل وزارة الإعلام في سبعينيات القرن الماضي، مثله كم نحتاج اليوم إلى مخرج يمنح روحه للمسرح بوصفه حياته التي يعيشها وينتجها ويتخيلها ويؤثر من خلالها؟..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا