النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11029 الخميس 20 يونيو 2019 الموافق 17 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

غضب في ضواحي باريس (­2 ـ ‏‏3)

رابط مختصر
العدد 10872 الاثنين 14 يناير 2019 الموافق 8 جمادة الأول 1440

تراجعت الحكومة عن قرارتها، رغم انها خطوة متأخرة، ولكن لا بد منها لنزع فتيل الازمة، والبحث عن «علة العلل». لم يكن في صالح حكومة ماكرون أن تراقب المشهد الملتهب بنوع من التراخي والتباطؤ، بعد أن رأت ان منطق الردع لم ولن يحقق حلا ناجعا وسريعا بتراجع وتقهقر حركة السترات الصفراء، في بلد ديمقراطي وبتقاليد ثورية تاريخية، تمرست حركاتها الاحتجاجية على شتى الوسائل العنيفة وغير العنيفة من اضرابات واعتصامات ومواجهات دموية، منذ تاريخ الحرب الاهلية في فرنسا. هذا البلد العريق بمزاجه الثوري، اعتاد ان يصبر طويلا على معاناته، حتى ينفذ صبره وينفجر في نهاية المطاف.
في هذا الوضع الفرنسي الملتبس المتوتر، وجدت نفسها مارين لوبن زعيمة اليمين المتطرف تخرج بتصريح ناري، فتطالب الرئيس ماكرون باتخاذ «اجراءات قوية وفورية!» للاستجابة لمعاناة متظاهري السترات الصفراء، فبدا خطابها شعبويا يتاجر بنبض الشارع، وزاد خطاب الشعبوية لديها حين ناشدت ماكرون بالخروج من «الاليزيه!!» والاقلاع عن «سياسة التقوقع». لقد تميزت هتافات تظاهرات يوم السبت 8 ديسمبر المطالبة باستقالة ماكرون واصفين إياه «بالدكتاتور!» فبدا لقصر الاليزيه ان الاحتجاجات المطلبية اخذت تنزع نحو مطالب سياسية خطيرة، ومن الممكن اطراف مناهضة لحكومته تغذي تلك التجمعات نحو مسار مختلف.
اصحاب السترات الصفراء بدأوا رغم المواجهة الشجاعة وغير المتكافئة، يشعرون بهزيمتهم في الشارع، فيما الصراع السياسي اعمق في المجتمع الفرنسي، ومن هنا تشعر السلطات ان جولاتها لم تنجز بعد في إخماد جذوة الاحتجاجات، حيث عشرات الآلاف من حركة السترات الصفراء يتحركون في تجمعات سلمية في عموم فرنسا، فيما شهدت باريس مواجهات عنيفة استدعت تدخل الاليات المصفحة. تعهد رئيس الوزراء فيليب – قبل خطاب ماكرون – «أن تعالج الحكومة المخاوف بخصوص ارتفاع تكاليف الحياة» مؤكدا ان الرئيس سيتحدث وسيقدم اجراءات ستغذي هذا الحوار. كانت باريس حقا مشهد درامي يذكرنا برواية البؤساء للروائي الفرنسي الكبير فكتور هيجو، بوصف احداث حركة 1832 حين كتب:«ما هي عناصر الشغب؟ ومم يتألف هذا الكفاح؟ من لا شيء ومن كل شيء. من تيار يتطور الى النار ولهيب يندلع بغتة. من قوة جامحة متخبطة ومن ريح صرصر.. الهيجان، الانفعال، والحماس، والاشمئزاز، والحرية المكبوتة، والشجاعة الفتية، والاحاسيس النبيلة، والفضول، والميل الى التغيير، والظمأ الى المفاجأة، والحقد الغامض، والحزازات، والمآسي، والخيبة، والشظف، والاحلام الفاشلة، والطموح المقاوم.. ووراء هذا كله الدهماء، ذلك الطين الذي يشتعل.. هذه هي عناصر الشغب! وكل ناقم، وكل حاقد، وكل ثائر، يقف عن كثب من الشغب، ومتى ما قدحت الشرارة الاولى، جرفها التيار!».
تتبدى لنا عبقرية هيجو في زمنها الممتد لهذا الطين البشري المختلط من الشرائح والفئات والامزجة والتوجهات، دون الحاجة للتوقف عند التفاصيل لكل مشهد تاريخي بين عامي 1832 و2018، حيث شهدنا في وقتنا الراهن،، مواجهات تحت قوس النصر وشارع الشانزليزيه، تعبير رمزي ودلالي، حواجز مشتعلة في الاحياء الراقية واعمال نهب وتحذير السفارات لرعاياها من السفر لفرنسا وداخلها وبتجنب الاماكن المتوترة المحترقة.
أي زمن تعيشه باريس الملتهبة، التي فقدت قهقهات المساء الرومانسية تحت قناديل حالمة بكؤوس نبيذ بوردو الفاخر، في لوحات منسية تغرق في النهر. وفي الوقت الذي كان رئيس الوزارء منهمك بحوار مع السترات الصفراء حول مطالبهم، التزم الرئيس ماكرون الصمت طيلة الاسبوع على أمل يدلي برأيه في الازمة الاسبوع المقبل، فيما وسائل اعلام فرنسية تناقلت انباء عن إقالات مرتقبة لمسؤولين فرنسيين. هكذا تتضخم وتتسع الاشاعات والروايات في زمن الازمات. دون شك اعتبرت هذه الاحتجاجات اسوأ اعمال شغب اجتاحت باريس منذ عقود. لم ينس ماكرون في حموة الازمة ان يبعث الشكر لقوات الشرطة، حيث شكرهم لشجاعتهم وللمهنية الاستثنائية التي اظهروها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا