النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

جرائم الرشوة الانتخابية ( 4 - 12 )

رابط مختصر
العدد 10862 الجمعة 4 يناير 2019 الموافق 28 ربيع الآخر 1440

وسائل أخرى للمال السياسي:

 إن غياب وعي المجتمع بمخاطر الرشوة، وعدم تصدي الأجهزة المعنية في الدولة لظاهرة المال السياسي، الذي يسخر لشراء ضمائر الناس خلال المواسم الانتخابية، واستغلال حاجاتهم ومعاناتهم، برزت ظواهر أخرى للمال السياسي، من خلال اعتماد أسلوب الصدقات والزكاة، تحت ستار أعمال الخير التي تنتشر في مواسم الانتخابات النيابية والبلدية، حيث نلاحظ كثرة الجمعيات والأشخاص الذين يقومون بتقديم بعض الأموال العينية مثل الثلاجات السياسية والمكيفات السياسية وأكياس الأرز والزيوت السياسية، وغيرها من المؤن السياسية تحت غطاء فعل الخير، في حين نجد أصحاب هذه الأعمال عناصر طارئة على تلك المجتمعات، فهناك من يدعي أن جده أو جدته قد سكنت قبل خمسون عاماً تلك المناطق البائسة، واليوم في ذروة العملية الانتخابية صحا ضميره وبدأ يشعر بمعاناة هؤلاء الناس الذين من واجبهم منحه أصواتهم وبيع ضمائرهم والطعن في دينهم وكرامتهم لقاء براد أو مكيف أو بضع دنانير حتى يحالف هذا السخي الطارئ النجاح في الانتخابات النيابية الموعودة، بعدها سيغادر المنطقة وإلى الأبد سواء حالفه النجاح أو لم يحالفه، وهناك فئة أخرى ابتكرت أسلوب آخر من خلال موائد اللحم السياسي، فنجد العزايم والولائم وأطباق الرز واللحم تنشط في مواسم الانتخابات، ففي سابقة لم يذكرها احد ولم يعلم بها احد يبرز مرشح ليعرض كرمه وسخائه على أصحاب المجالس وروادها من خلال وليمة ( عيش ولحم) يسبقها بخطبة فارغة عن حبه وإخلاصه لأبناء هذه الدائرة أو تلك، وانه قرر بعونه تعالى أن يحولها إلى جنة على الأرض من حدائق ومنتزهات ومسابح وملاعب، علماً أن المنطقة أو الدائرة لا يوجد فيها قطعة ارض خاصة بالدولة أو البلدية، فجميع الأراضي والبيوت أملاك خاصة، ثم يتظاهر بالتواضع ويحث على التراحم والتواصل في حين يعلم الجميع انه لم يزر مريضاً أو عزاء أو فقيرا على مدار السنوات التي سبقت الانتخابات، لذا نجد هؤلاء كالخفافيش يطلون علينا في هذه المناسبات الانتخابية، وهم يجيدون كيف ينقلبون في كل ظرف ومكان حسب مصالحهم، وغايتهم في استخدام هذا المال السياسي بشتى أنواعه لتغيير إرادة الناخب والتأثير على قراره وخياراته. 

علينا أن نتساءل ما هو الدافع من إقامة هذه الولائم هل تندرج تحت عنوان إطعام الفقراء والمساكين، كوسيلة لتجميع الناس وإعلامهم بنية صاحب المكارم والولائم خوض الانتخابات النيابية أم أنها أشكال أخرى لشراء الذمم عبر هذا اللحم والأرز السياسي، وكأن الناس جياع ليبيعوا ضمائرهم وكرامتهم وإرادتهم لمجرد وليمة انتخابية لصالح صاحبها، ثم نتساءل هل هذا الالتفاف على الدين والقانون لشراء الذمم هي حيلة للإعلان عن الترشح من خلال توظّيف المكيفات والثلاجات والولائم لأغراض انتخابية. 

إن توظيف المال بجميع أشكاله في غرض سياسي غير مشروع كالرشوة يعتبره القانون جرم يحاسب عليه، وقد اخذ المشرع بمبدأ العقوبة لجميع مظاهر المال السياسي سواء كانت عينية أو نقداً.

المال السياسي جريمة يعاقب عليها القانون:

 جميع القوانين والشرائع المعاصرة والقديمة تحرم الرشوة بجميع أشكالها، وتعتبرها جريمة يعاقب عليها القانون منذ أقدم العصور، حيث نجد نصا في قانون حمورابي عام: ( 7000) ق.م، بأن: «الرجل الذي يقدم الحبوب والمال كرشوة تفرض عليه العقوبة المقررة»..، كذلك القانون الروماني في الألواح الأنثى عشر عام ( 560 ق.م )، نص بأن «يعاقب القاضي المرتشي بالإعدام»، كذلك في الدعوى الجزائية للرشوة كانت عقوبتها النفي ومصادرة الأموال.. ثم جاء القانون الفرنسي القديم على نسق أحكام القانون الروماني، عندما اخذ بمبدأ أن الرشوة جريمة واحدة في جميع الأحوال، بمعنى أن الراشي والمرتشي والرائش يخضعون لعقوبة واحدة دون رحمة.. تصنف بعض قوانين العقوبات في البلدان العربية من النواب واعضاء المجالس البلدية ضمن الفئات المشمولين بقوانين العقوبات فيما يتعلق بالرشوة. 

يشترط المشرع المصري ضمن اركان الرشوة ان يعلم المرتشي بأنه يقبل الرشوة لقاء القيام بعمل أو امتناع عن عمل، كأن يقوم شخص ما التصويت في العملية الانتخابية لقاء ايسي او ثلاجه او فرن وهو يعلم ان ما اخذه لقاء فعل لصالح الراشي كأن يقوم بالتصويت له وهو جرم يغاقب عليه القانون، ويتطلب أيضا تجاه نيته إلى الاتجار بأعمال الوظيفة، ويرى بعض الفقهاء المصريين أن جريمة الرشوة هي جريمة قصد بتنفيذ عناصر الركن المادي لجريمة الرشوة وتغطيتها من علم المرتشي وإرادته تكون الجريمة قد تحققت.. أن جميع دول العالم تحرم المال السياسي وتعتبره جرائم يعاقب عليها القانون، وقد أخذت البلدان العربية بهذا المبدأ، منها على سبيل المثال المملكة الأردنية الهاشمية التي تصل عقوبتها بالسجن سبع سنوات، وفي هذا الصدد أكد رئيس الوزراء الأردني الاسبق سمير الرفاعي فـي (18/7/2010) بأن عقوبة المال السياسي تصل إلى 7 سنوات.. وقال الرفاعي لدى زيارته لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) بمناسبة عيدها: «الواحد والأربعون»: (بأن شراء الأصوات جريمة، وعلى المرشح والمواطن أن يعي بأن موضوع شراء الأصوات أو المال السياسي يشكل جريمة تصل عقوبتها إلى السجن سبع سنوات، مؤكدا أن الحكومة لن تتهاون في تطبيق القانون، وقال: «أرجو أن لا يجرب احد هذه الحكومة سواء في الموضوعات القانونية أو موضوع المال السياسي»، كذلك قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969م حدد عقوبة الرشوة في المادتين 307، 308 بالسجن من: (7إلى10) سنوات، لقد طغى المال السياسي على الانتخابات النيابية العربية، بحيث ان الفكرة التي سادت هي ان المال شكل عصبا رئيسيا في هذه الانتخابات، وقد تأكد ذلك من خلال تصريحات مباشرة المرشحين والسياسيين لا تنفي الامر، بل تحاول تبريره او التخفيف من وقعه عبر تعميمه على جميع الفرقاء، كما ان شراء اصوات الناخبين يشكل احتقارا للناخب ذاته الذي يتحول الى سلعة، وهذه الممارسات تدل من ناحية على مستوى التخلف والفقر والعوز الذي بلغه بعض المجتمعات العربية، والذي يدفع بالمواطن الى بيع صوته بسبب الحاجة او انتهاز الفرص، والجهل والانتهازية هذا الامر يؤكد ان الديمقراطية السليمة تتطلب اولا ضمان الوعي والحاجات الأساسية للناخبين وتحريرهم من ازماته المعيشية التي تلقي بثقلها على قراره الحر، والخطورة تبدو ايضا في ان هذه الممارسات تبقى خارج قدرة القضاء على وضع حد لها ومعاقبة مرتكبيها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا