النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

مرحلة ما بعد اكتمال إطار الصورة

رابط مختصر
العدد 10847 الخميس 20 ديسمبر 2018 الموافق 13 ربيع الآخر 1440

بتشكيل الحكومة، وتعيين أعضاء مجلس الشورى يكتمل شكل إطارصورة البراح السياسي /‏ الاقتصادي الذي سيحتضن أنشطة السلطات الثلاث: السلطة التشريعية بحجرتيها البرلمان، ومجلس الشورى، السلطة التنفيذية، السلطة القضائية، التي سيقع على عاتقها - السلطات الثلاث - النهوض بمهمات المرحلة خلال السنوات الأربع القادمة، ولا بد من الاعتراف أن تلك المهمات شاقة في طبيعتها، ومعقدة في طبيعة الحلول التي تحتاجها، ومختلفة نوعيًا من حيث الجوهر، عن تلك التي عهدتها مملكة البحرين في تاريخها المعاصر، وخاصة تلك الفترة التي أعقبت تدشين المشروع الإصلاحي الذي قاده جلالة الملك.
ورغم تداخل تلك الظروف بعواملها الثلاثة: المحلي البحريني، والإقليمي الخليجي والعربي، والعالمي بقواه العظمى، لكن تبقى العوامل المحلية هي الأكثر حضورًا، ومن ثم أشد تأثيرًا في مسار العمل السياسي البحريني، الذي بات بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استراتيجية غير تقليدية، بفضل المهمات المعقدة التي أشرنا لها، التي تقتضي أن تكون المعالجات، إن هي أرادت لنفسها النجاح، ولمن يقف وراءها قطف ثمرات ذلك النجاح، متكئة على ذهنية استراتيجية مبدعة، وقائمة على خلفية متفتحة تتوزع على ثلاثة أبعاد يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
البعد الاقتصادي، ويؤثر فيه عاملان أساسيان: الأول منهما هو العجز المتراكم والقابل للتزايد التي تواجهه الدولة، وهو عجز لم يسبق له مثيل، وبحاجة إلى تشريعات جريئة ترافقها برامج تنفيذية مبتكرة، ليست اعتيادية، خاصة أنها تترافق مع استحداث تطبيق ضريبة القيمة المضافة (VAT). ومن الخطأ إلقاء مسؤولية كل ذلك على الدولة ومؤسساتها وحدها، بل تتقاسم تلك المسؤولية السلطات الثلاث، بنسب متفاوتة، التي باتت مطالبة، بالتفكير، كما يقال، من خارج الصندوق، وتأتي بحلول ليست سحرية، بل واقعية وقابلة للتطبيق، ولا تضاعف من العبء الاقتصادي الذي بات ينوء به كاهل المواطن، بل تعمل على التخفيف منه قدر المستطاع. التصدي لهذا البعد، إن أريد له النجاح، لا بد له أن يتجاوز الحلول التقليدية، ويتحاشي الوقوع في براثن مصيدة البرامج الكلاسيكية، فهي غير قابلة لمواجهة تحديات المشكلة، نظرًا للتحولات النوعية التي تفرزها النقلات الكيفية في الاقتصاد العالمي، والتي لا يمكن، بأي حال من الأحوال أن يتجنب تأثيراتها الاقتصاد البحريني، بحيزه الصغير، وإمكاناته المتواضعة.
يلي ذلك البعد السياسي، فليس هناك من يختلف، أن البحرين، وهي ليست استثناء لدول عربية أخرى هبت عليها رياح ما اعتبره البعض «ربيعًا عربيًا»، وهو لم يكن كذلك. ومن ثم فتداعيات تلك الرياح ما تزال تفرض نفسها على واقع العمل السياسي وهي الأخرى أدخلت عناصر جديدة غير مسبوقة في معادلات العمل السياسي البحريني بحاجة إلى معالجات مبدعة قادرة على نقل ذلك العمل من مستنقعه الذي سيجته تلك التداعيات إلى فسحة برحة قادرة على طرد، بل ونبذ كل تلك التداعيات وإحلال أخرى مكانها تمهد الطريق أمام حلول استراتيجية جذرية تعيد الأمور إلى نصابها، وتمد البراح السياسي البحريني بما يحتاجه من عجلة دفع قوية وثابتة قادرة على مده بالحيوية التي تعينه على استعادة توازنه كخطوة أولى  على طريق مشروع الخروج من عنق الزجاجة التي تشده نحو الخلف، وتحول دون تقدمه نحو الأمام.
ورغم تعقيدات العامل الاقتصادي، وشدة تأثيرات النتائج التي تفرزها عناصره، لكن جبروت إشكالات الفضاء السياسي أعمق تأثيرًا في مجاري الحياة اليومية للمواطن، ومن ثم فإن تشعبات انعكاساتها تتطلب مهارات مختلفة  ما أريد وضع حد للسلبيات التي تفرزها تلك التداعيات. ولا بد من التأكيد هنا على أهمية تحاشي الوقوق في شباك الحلول القصيرة المدى، أو التعويل على المهدئات، فجميعها قادر على زرع بذرة أوهام لا تظهر مساوئها إلا في مراحل متأخرة يصعب التخلص منها. بل ربما تصبح معالجة الأمور حينها باهضة التكليف، وتتطلب فترات أطول.
ليس القصد هنا نشر مظلة تيئيسية في وجه من سوف يتصدى لهذه المهمة، لكن لا بد لمن يتقدم الصفوف، ويوافق على سلك طريق البحث عن الحلول، ويأخذ على عاتقه المسؤولية، أن يدرك مسبقًا، أية مهمات في انتظاره، وأية مطبات تتربص به.
البعد الثالث هو ذلك البعد الاجتماعي، والذي، ربما ينظر له البعض على أنه أسهل الأبعاد، وأكثرها مرونة، ومن ثم فهو لا يحتاج إلى الجهد والابتكار الذي يتطلباه البعدان السابقان. لكن واقع الحال يقول خلاف ذلك، وتجارب الشعوب بما فيها العربية تؤكد صعوبة الخروج بحلول شافية للمعضلات الاجتماعية التي غالبا ما تغرس جذورها عميقًا في صفوف المواطن، ولا تقف حدودها عند أبواب المؤسسات. وهي متى ما نشبت أنيابها في صفوف المجتمع، يصبح التخلص منها أمرا في غاية الصعوبة والتعقيد.
ولا يكشف المواطن البحريني سرًا عندما يعترف بأنه يقف أمام تشظٍ اجتماعيٍ غير مسبوق، ولا يعرفه من قبل في تاريخه المعاصر. هذا التشظي لا ينتظر عند الحدود الطائفية فحسب، كما يتوهم البعض منا، بل يتجاوزها إلى ما هو أبعد من ذلك.
فقد طرأت على المجتمع البحريني، خلال السنوات العشر الماضية تحولات مجتمعية غير مسبوقة في تاريخه المعاصر، بل ربما تكون غير معروفة على النحو الذي انتعشت فيه لأي مجتمع سواه، وأدت فيما أدت إليه، إلى تشييد جدران عالية وسميكة مزقت المجتمع البحريني وقطعت اوصاله. ما يزيد من خطورتها انتقالها من حالة المتغيرات الطارئة، المؤقتة إلى واقع الثوابت الراسخة والمتجذرة، الأمر الذي يجعل حلول معالجتها تقترب من المستحيلات.
هذه الأبعاد الثلاثة التي تفرض نفسها بقوة على مسار العمل السياسي، تواجه مكوناته بعد ان اكتمل إطار صورة المرحلة القادمة، دون ان يعني ذلك جمود تلك الصورة أو تحجر ذلك الإطار. فالمجتمعات الحية، والمجتمع البحريني أحد فئاتها، وحدها القادرة على توسيع ذلك الإطار، من أجل إعادة بنائه دون تشويهه، ووضع بصمات جديدة على الصورة من أجل تجميلها، وهو ما ينتظره بحرقة المواطن البحريني الذي بات على أحر من الجمر في ترقب من يساعده على التقدم نحو الأمام، وهو الذي يرفض الانتظار، دعك من العودة للخلف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا