النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10790 الأربعاء 24 أكتوبر 2018 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

ذكريات «لا تكذبي» والحب الضائع:

بطولــة كامــل الشنــاوي ونجــاة

رابط مختصر
العدد 10765 السبت 29 سبتمبر 2018 الموافق 19 محرم 1439

أعود اليوم الى حكايات الحب والأغاني والطرب بعد انقطاع أسبوعين متتالين بسبب السياسة ومتاعبها التي يبدو أنها لا ولن تنتهي، لأكتشف خلال الأيام الماضية أن الحديث عن الحب يعطي الأمل في الحياة بعكس عالم الحروب والمؤامرات والصراعات التي تحيط بنا من كل جانب، فلنعود إذن الى عالم العواطف الجياشة والحب الذي يطيل العمر بعكس ما دونه والذي يقصفه، أي الحروب.
 فالحب عالم آخر من الرقة والحنان وتسامي أرواح وتلاقي أفكار مهما اختلفت طبيعة البشر، أغنياء وفقراء، متعلمون وأميون، لأن الشوق واحد حيث يلهب المشاعر ويعصف بالوجدان، ومن علامات الحب المميزة في الأغاني المصرية كانت المطربة نجاة التي تعلمنا منها الحب وعشنا على مشاعر كلمات أغانيها، فأغاني نجاة تحمل أجمل وأرقى وأنبل العواطف وتحمل كل كلمة تخرج من بين شفايفها معنى جديد للحب لم نكن نألفه إلا عندما تغني وكل كلمة تعني ألف رسالة رائعة للمشاعر الرقيقة، فثمة كلمة بسيطة كفيلة بتغيير مجرى حياة وأن تدفع أي شخص الى الحب، خاصة وأن أغاني نجاة هي أغلى وأثمن من المجوهرات، فكلماتها جسر يحمل قلبين الى عالم الخيال والدراما والمشاعر والعواطف الملتهبة، فأغاني حب نجاة كانت تتغنى بحلم المرأة وانكسارها ثم مناجاتها حبيبها لتنقل لنا كافة أنواع المشاعر من غضب وحقد الى حب وارتياح وتسامح. وتصدح نجاة في أغنية «القريب منك بعيد» بكلمات لم تأتِ من غيرها في عالم الطرب عندما تغني لحبيبها وتقول: «أحلى كلمة حب قالتها شفايفي هي اسمك.. أحلى صورة حب باستها عينيا هي صورتك».
 وربما بالغت قصائدها وأغانيها لنزار قباني في تصوير هذه الصورة حيث خلقا معاً حالة رومانسية خاصة بالحب لتنقل كل أحاسيس المرأة العاشقة، ثم سرعان ما تراها ناقمة مثل قصة قصيدة «أيظن» التي تصور حالة تضارب يتراوح بين حالتي استنكار وتساؤل حول ما إذا كان حبيبها سيرجع إليها في تلك الليلة رغم يقينها بعدم مصداقيته. إلا أن الشك يزحف لقلبها لتبدأ بسرد حكايتها مع هذا الحبيب، صفاته وذكرياته وتصرفاته، كل الحكايات التي تتذكرها وتجعل حياتها مستحيلة من غيره، فهو الأمل والمنى لأنها لا تستطيع هجره، وتبدأ فساتينها التي كانت قد أهملتها في الرقص لترتمي هي في أحضانه وتنسى حقدها وآلامها وعدم اكتراثه لمشاعرها كامرأة وكإنسانة، لتعترف للجميع في النهاية: «ما أحلى الرجوع إليه».
 كل هذه المشاعر التي تغنت بها نجاة في «أيظن» غنت عكسها في قصيدة ربما تكون هي الأهم في حياتها الغنائية على الإطلاق، وهي «لا تكذبي» التي كتبها الشاعر الكبير كامل الشناوي ولحنها محمد عبد الوهاب وهو أيضا ملحن أكثر القصائد التي تغنت بها نجاة لأنه عرف مكامن القوة والضعف في صوتها وأخرج منها كل ما هو رقيق ويتسم بالحنان، حتى كانت الضحية والجلاد في «لا تكذبي» في نفس الوقت.. لماذا؟، فهذه قصة طويلة ولكننا نقول بعض الذين عاصروا عاشقها كامل الشناوي والقريبين منه أنه كان يقصد بـ «لا تكذبي» نجاة التي نفت بدورها كل ما قيل عن أصل القصيدة، وكتب الكاتب الصحفي الكبير مصطفي أمين رواية مطولة عن هذا الشاعر والسر الذي سبب له ألماً وجرحاً غائراً في قلبه جعله يعيش حياته مكتئباً حتى توفي بحسرته على حبه الضائع.
كان كامل الشناوي شاعراً رومانسياً وعاطفياً وصاحب إحساس مرهف، ووضح هذا في قصائده التي تذوب رقة ودلال، وهو الذي عاش قصة حب من طرف واحد مع نجاة التي كانت على ما يبدو تتعامل معه كصديق مقرب جدا بعكسه حالته الغرامية هو لأنه كان محباً وعاشقاً لها، وظل مخلصاً لها حتى وفاته رغم عدم مبادلتها له نفس الشعور.
 قدم كامل الشناوي قصة حبه لنجاة في صورة أغاني وقصائد لمطربين كثيرين غيرها ونخص هنا عبد الحليم حافظ الذي غنى له «حبيبها» و «لست قلبي» ونقل فيها أحزانه حيال حبه الضائع رغم أن الشناوي وباعتراف الكثير من المقربين منه كان سبباً رئيسياً في تقديم نجاة للجمهور والتي خصها بأجمل قصائده التي أظهرت جمال ونعومة صوتها، ولكنها فضلت عليه الأديب الراحل يوسف إدريس، وهي قصة الحب التي نفتها أيضا نجاة أكثر من مرة كنفيها أنها صاحبة «لا تكذبي».
 ويسرد مصطفى أمين في كتابه «شخصيات لا تنسي» حكاية كامل الشناوي مع نجاة، ويقول فيه: «عشت مع الشناوي حبه الكبير، وهو الحب الذي أبكاه وأضناه وحطمه وقتله في آخر الأمر، أعطى كامل لهذه المرأة كل المجد والشهرة والشعر ولم تعطه شيئاً، أحبها أخلص لها، جعلها ملكه». وجاء في الكتاب أيضا أن أشهر قصيدة غنتها نجاة وهي «لا تكذبي» كتبها كامل الشناوي من واقع قصة حبه للمطربة نجاة التي تلاعبت بمشاعره حيث رأها مع من تحبه. ولم يذكر مصطفى أمين اسم الحبيب رغم أن الذين رووا القصة نقلوا عن كامل الشناوي قوله إن كشف بالصدفة نجاة ويوسف إدريس معاً في ركن هادئ فنقل هذا المشهد بحرفيته رغم صعوبته على قلبه وعقله: «لا تكذبي.. إني رأيتكما معا /‏ ودعي البكاء فقد كرهت الأدمعا /‏ ما أهون الدمع الجسور إذا جرى /‏ من عين كاذبة ٍفأنكر وادَّعى /‏ إني رأيتكما.. إني سمعتكما /‏ عيناكِ في عينيهِ في شفتيهِ /‏ في كفيهِ /‏ في قدميهِ /‏ ويداكِ ضارعتانِ ترتعشان من لهفٍ عليهِ /‏ تتحديان الشوقَ بالقبلاتِ /‏ تلسعني بسوطٍ من لهيبِ /‏ بالهمسِ، باللمسِ، بالآهاتِ، بالنظراتِ /‏ باللفتاتِ، بالصمتِ الرهيبِ.. ويشبُ في قلبي حريقْ /‏ ويضيعُ من قدمي الطريقْ /‏ وتطلُ من رأسي الظنونُ تلومني /‏ وتشدُ أذني /‏ فلطالما باركتُ كذبك كله /‏ ولعنتُ ظني».
 ويؤكد مصطفى أمين بحكم قربه من كامل الشناوي والأوقات الطويلة التي قضياها معاً، أن «لا تكذبي ليس بها مبالغة أو خيال، وأن الشناوي نظمها وهو يبكي على ما رآه من مشهد نجاة وهي مع حبيبها حيث كانت دموعه تختلط بالكلمات فتطمس، وكثيرا ما تأوه الشناوي كرجل ينزف وهو يكتب أبياتها».. المفاجأة أن الشناوي قرأ كلمات «لا تكذبي» بالتلفون على نجاة بمجرد انتهائه من كتابتها، وكان صوته ينتحب ويتنهد وتخرج منه الآهات تقطع قلبه الملتاع، وما أن انتهى من إلقاء القصيدة عليها حتى طلبت منه أن تغنيها هي.
 وتدور أحداث قصيدة «لا تكذبي» الى أن يصل كامل الشناوي لنهايتها ليحذر فيها عاشقته بأنها مجرد دمية بدون حبه: «كوني كما تبغينَ /‏ لكن لن تكوني.. /‏ فأنا صنعتك من هوايَ، ومن جنوني /‏  ولقد برئتُ من الهوى ومن الجنون».
 عاش كامل الشناوي حياته بعد هذه القصة محطماً تماماً رغم أنه لم ييأس من عودة حبيبته - أو نجاة له - وظل يسعى جاهداً التقرب منها بأي طريقة، فتارة يمدحها وتارة يذمها، يهذي بكلمات تعني أنه لا يزال يحبها ومستعد للركوع أمامها ثم سرعان ما تتبدل حالته ليؤكد انه سيقضي عليها لو رآها. ويستكمل مصطفى أمين روايته عن كامل أنه كان يعبدها ويلعنها في الوقت الذي تجد فيه هي متعة لأن تعبث به وبعواطفه، فيوم تبتسم له وآخر تعبس في وجهه، ساعة تقبل عليه وأخرى تهرب منه، تطلبه أحياناً في الصباح بالتليفون، ثم سرعان ما تتنكر له في المساء.
 لكم عانى كامل الشناوي حقاً من حبه الضائع - سواء نجاة وفقاً لروايات المقربين منه وفقاً لحكاياته هو أو غيرها - فهو لم يصدق تصرفات عاشقته له، حتى أنه أفصح للمقربين أيضا أنها امرأة غامضة لا يعرف هل تحبه أم تكرهه؟.. هل تريد حبه أم قتله؟.. وبين كل هذه المشاعر المتضاربة جاءت قصائد كامل الشناوي بعد «لا تكذبي» ليستكمل بها ما لم يكتبه في قصيدة عمره، فكان عبد الحليم حافظ هو ملاذه في التعبير عن همومه فكتب له قصيدة «لست قلبي» ليرمي فيها أحزانه ويواصل الحديث عن حبه لها من طرف واحد، لتخرج الكلمات معبرة عما يجيش به صدره من آلام: «انت قلبي /‏ انت قلبي، فلا تخف /‏ وأجب هل تحبها /‏ والى الآن لم يزل نابضاً فيك حبها /‏ لست قلبي أنا إذن /‏ إنما أنت قلبها /‏ كيف يا قلب ترتضي /‏ طعنة الغدر في خشوع /‏ وتداري جحودها في رداء من الدموع /‏ لست قلبي.. وإنما خنجر أنت في الضلوع». الى هذا الحد يدمي قلب كامل الشناوي من طعنة الخيانة ليتوسل الى قلبه ويستحثه ويؤكد عليه أنه قلبه هو وليس قلبها هي ويحاول من جانبه إقناعه بأنه قلبه هو وليس قلبها وعليه أن يقف بجواره وليس بجوار من طعنته: «دمرتني لأنني /‏ كنت.. يوماً أحبها /‏ وإلى الآن لم يزل نابضاً فيك حبها /‏ لست قلبي أنا إذن /‏ إنما أنت قلبها».
 ورغم هذا الحالة المزاجية المتضاربة، لا يزال كامل الشناوي عند غيه القديم ولم يشأ أن يترك من طعنته في حالها تعيش مع من تحب أو تعيش بلا عاطفة، فواصل وصف حالته العاطفية الحزينة في قصيدة «حبيبها.. لست وحدك حبيبها» والتي عهد بها أيضا لعبد الحليم حافظ ربما ليقينه أن نجاة كانت على خلاف كبير مع العندليب لأنه غنى «لا تكذبي» بعدها رغم أنه ليس من حق أي مطرب في ذاك الوقت أن يعيد غناء ما غناه مطرب أو مطربة أخرى.. وكانت «حبيبها» خير معبر عما يجيش به قلب الشناوي فقال: «حبيبها لست وحدك حبيبها.. حبيبها أنا قبلك /‏ وربما جئت بعدك.. وربما كنت مثلـــك /‏ فلم تزل تلقاني.. وتستبيح خداعـي /‏ بلهفة في اللقاءِ.. برجفة في الــوداعِ /‏ بدمعة ليس فيها.. كالدمع إلا البريـق /‏ برعشة.. هي نبض بغير عـروق».
 كتب كامل الشناوي «لا تكذبي» ليوصف حالته الآنية ويتبعها بـ «لست قلبي» لكي يقنع قلبه بالعودة لصاحبه، وينتهي بـ «حبيبها» ليؤكد لما خانته معه بأنه أيضا حبيبها مثله، بل هو الحب القديم، أنها مشاعر لا يشعر بها سوى من حب وعشق، ومن تكون الحبيبة؟ نجاة التي عشقها معظم شباب وقتها وحتى بعد وقتها، ولا أبالغ وحتى وقتنا هذا، فهي عنوان العشق.

 كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا