النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10845 الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 الموافق 11 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:57AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    2:30PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

مصير الصراعات الإقليمية والدولية في سوريا.. إلى أين؟؟

رابط مختصر
العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439

تحدثنا في الأسبوع المنصرم عن ماضي مدينة البصرة العراقية وكيف كان يضرب بها المثل في الجمال والخضرة وأنهرها المتعددة ونخيلها الباسقات، قبل أن ينال منها الدمار والخراب بفعل الحربين العراقية - الإيرانية وحرب الخليج الثانية، ثم كانت هبة أهل البصرة قبل أسبوعين تقريبا ضد التوغل الإيراني في مدينتهم رافضين تدخلهم في إدارة شؤونهم الداخلية في البصرة أولا والعراق دولة ثانيا، فتدخل القوى الإقليمية في شؤون الدول بات أمرا صعبا وغير مقبول. وليس بعيدا عن العراق نتحدث اليوم عن سوريا التي بات مصيرها هي الأخري مرهونا بنوايا قوي إقليمية، فلم يعد القرار السوري حكرا على دمشق فقط أو حتى فصائل المعارضة المتعددة في هذا البلد الذي أصابه الدمار هو الآخر. وعلى سبيل المثال، فمدينة إدلب السورية الاستراتيجية التي تستعد القوات السورية لتحريرها من آخر معاقل المعارضة المسلحة الكبيرة، تموج بالتدخلات الإقليمية والدولية، فمن روسيا للولايات المتحدة، ومن إيران رغم ضعف دورها في المدينة الى تركيا التي ترفض سحب قواتها من إدلب في الوقت الذي تناصر فيه هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا)، بالإضافة الى تعزيز قواتها داخل المدينة لعرقلة أي تدخل من القوات النظامية السورية لتحريرها من قبضة المعارضة المسلحة والإسلامية.
ليس هذا فقط، فروسيا والولايات المتحدة على سبيل المثال يستغلان مدينة إدلب لتحقيق مكاسب استراتيجية لهما بالمنطقة على حساب سوريا وسكانها ومستقبلها وبقية شعوب الإقليم طبعا، فروسيا التي استعرضت قوتها قبل أيام قليلة في صورة مناورات عسكرية هي الأضخم في تاريخها العسكري بمشاركة 300 ألف مقاتل، و36 ألف مدرعة وألف طائرة وثمانين سفينة بحضور صيني قوي ولافت هو الآخر، بهدف تصدير قوة عسكرية متعاظمة للمنطقة في مواجهة الولايات المتحدة، في هذة الأثناء، أعلنت القوات المسلحة الروسية أن قواتها العاملة فى سوريا رصدت طائرتين أمريكيتين إف-15 تسقطان قنابل فسفورية على منطقة دير الزور، وهو الأمر الذي سارع البنتاجون إلى نفيه، ليس هذا فقط، بل يأتي الرد الأمريكي عاجلا على إعلان موسكو على لسان جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي، ليكشف عزم بلاده وبريطانيا وفرنسا الرد بقوة أكبر في حالة شن الحكومة السورية هجوما بالأسلحة الكيماوية على إقليم إدلب.
فالروس يعلنون استخدام القوات الأمريكية قنابل فسفورية في دير الزور، ثم يحذر الأمريكيون والبريطانيون والفرنسيون من استخدام القوات السورية للأسلحة الكيماوية في معركة تحرير إدلب، كفزاعة غربية لمنع دمشق من تحرير آخر معاقل المعارضة المسلحة والإسلامية والحضور التركي بالمدينة. ووفقا لخبراء عسكريين، من الصعب أن تستخدم القوات الأمريكية القنابل الفسفورية؛ لأن قدرتها التدميرية محدودة للغاية ناهيك عن حظرها دوليا خصوصا ضد الأهداف المدينة، والأمر كذلك بالنسبة إلى التحذير الأمريكي - الغربي من استخدام القوات السورية للأسلحة الكيماوية، خاصة أن غاز الكلور يعود تاريخ استخدامه إلى الحرب العالمية الثانية، وبالتالي فهو ليس فعالا، ومن الممكن اصابة القوات التي تستخدمه بمفعوله في حال هبوب أي رياح مفاجئة قبل أن يصل الغاز إلى الهدف.
نستنتج من آراء الخبراء العسكريين المحايدين، أن حربا تدور رحاها في الخفاء بين روسيا وأمريكا هدفها حجب حقيقة ما يجري على الأرض السورية، فإعلان روسيا رصد قنابل فوسفورية أمريكية في دير الزور ما هو سوى محاولة لإحباط خطة أمريكية - غربية لدخول القوات الأمريكية في سوريا والبقاء فى منطقة الشرق الأوسط لما هو أبعد من وجودها في قاعدة العديد القطرية. وقد نسترجع معا هنا الخطة الأصلية لمجموعة «المحافظون الجدد» الذين سيطروا على إدارة جورج بوش الابن إذ كانت تستهدف غزو ثلاث دول -العراق أولا ثم سوريا لتكون إيران الأخيرة-، وهي الخطة التي أحبطها انتخاب الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الذي أعلن بمجرد توليه منصبه نيته سحب القوات الأمريكية من الخارج، ثم أعقب هذا الإعلان بتبنيه اتفاق إيران النووي بمشاركة الدول (5+1)، وهو الاتفاق الذي أعلن ترامب انسحاب بلاده منه.
وإذا كان باراك أوباما قد أفشل خطة «المحافظون الجدد»، فإن إدارة دونالد ترامب ترى أهمية تنفيذ الخطة القديمة، ومن هنا يتوالى اتهام القوات السورية باستخدام الأسلحة الكيماوية ذريعة لتكرار سيناريو غزو العراق في 2003، ليبدأ تنفيذ السيناريو هذه المرة في سوريا للاطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، ولكن هذا السيناريو في حال تنفيذه قد يجلب على أمريكا المتاعب؛ لأن القوات الأمريكية ستواجه بحرب شرسة من القواتين الروسية والإيرانية المنتشرة في الأراضي السورية، ومن هنا يمكن تفسير مناورة روسيا العسكرية الاستراتيجية الضخمة بمشاركة القوات الصينية.
المسألة ليست صراعا كبيرا يدور بين روسيا وأمريكا على الساحة السورية، واعتقد هنا أن علينا توضيح الموقف أكثر ونعيد مضمون البيان الذي نشرته أخيرا القيادة العسكرية الروسية في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية السورية، وجاء فيه أن روسيا ستدعم أي تحرك عسكري للقوات النظامية السورية ضد القوي الغربية الموجودة على الأراضي السورية بصورة غير شرعية، وهو ما يعني أمرا مهما، خاصة إذا علمنا أن البيان الروسي موجه أولا الى تركيا التي تحتفظ بقوات في إدلب ناهيك عن دعمها عناصر أخرى كما ذكر، مثل «هيئة تحرير الشام». وما نقصده هو احتمال انهيار الشراكة (الروسية - الإيرانية - التركية) بشأن الموقف السوري، على خلفية تباعد المواقف بشأن إدلب، فروسيا وإيران تؤيدان هجوم القوات النظامية السورية لتحريرها، وسط معارضة شديدة من تركيا التي تنوي الدفع بحوالي 4 آلاف جندي الى إدلب استعدادا لمواجهة أي هجوم سوري محتمل.
والسؤال الآن: هل يقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالتوجه الروسي؟ وما أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة طهران الأخيرة أن قوات بشار الأسد يجب ان تسيطر على حدود سوريا كاملة على غرار ما تم في درعا جنوبا بدعم القوات الروسية أيضا؟
من المؤكد أن بوتين يدرك جيدا مدى صعوبة موقف أردوغان حيال الولايات المتحدة والغرب، إذ بات محاصرا بالمشكلات السياسية الدولية والاقتصادية الداخلية، وبالتالي لن يستطيع وهو في مثل هذه الحالة المأساوية مواجهة الطلبات الروسية ببقاء قوات تركية في إدلب ودعم جماعات المعارضة هناك، خاصة أن طريق أنقرة - واشنطن بات مغلقا تماما في ظل الأزمة المستحكمة بين أردوغان وترامب بسبب القس الأمريكي المعتقل في تركيا ورفضها اطلاق سراحه وفقا لطلب ترامب.
وتتزامن كل هذه التطورات مع مواصلة الجيش السوري حشد قواته بجنوب مدينة إدلب لتحريرها، كما تعهد وزير الخارجية السوري وليد المعلم، بتصفية الاحتلال التركي لبلاده، ما ينذر برفض دمشق استمرار الوجود العسكري التركي هناك، الأمر الذي ينذر بنشوب معارك سياسية وعسكرية قريبة لتصفية هذا الوجود، مقابل قيام الجيش التركي بتعزيز قواته بشمالها إذ أنشأت تركيا 12 نقطة مراقبة تركية بها، كما استبقت أي هجوم عسكري سوري على المدينة بتشكيل الجبهة الوطنية للتحرير (40 ألف مقاتل) في يوليو الماضي تضم أحد عشر من فصائل المعارضة المسلحة بجانب المقاتلين الأجانب بإدلب، وهم عبارة عن فصائل قوقازية والإيجور الصينيين وعناصر أوزبكستانية وقيرغيزستانية. كل هذه الحشود تؤكد قرب بدء العمليات العسكرية، ما قد ينذر باندلاع صراع إقليمي ودولي في سوريا يكون مقره إدلب التي تنبع أهميتها من موقعها الاستراتيجي. فهي حلقة وصل بين عدد من مدن شمال وغرب سوريا، وتمثل 4% من مساحة سوريا، وتقع بين محافظتي طرطوس واللاذقية حيث توجد القاعدتان العسكريتان الروسيتان والقاعدة الشعبية لـ«الأسد» غربي سوريا. كما ترتبط إدلب بحلب من الشرق ثاني أكبر مدينة سورية، وحماة من الجنوب، ما يجعلها في مثلث محاذي لثلاث محافظات حلب - حماة - اللاذقية.
إذن التشابكات الدولية هي عنوان الموقف في الصراع على سوريا حاليا، وبات الموقف صعبا للغاية قبيل عملية تحرير إدلب، حيث الصراع الإقليمي والدولي على أشده، فسوريا بدعم روسي قوي باتت على بعد خطوة من شن عملية تحرير المدينة، وتركيا لا تزال تماطل للحفاظ على وجودها في مناطق أقصي شمال سوريا وهي (الباب - جرابلس - عفرين). وربما يتخذ الرئيس الأمريكي خطوة أكثر خطورة بشن عملية عسكرية في سوريا، خاصة في ظل تنامي مشكلاته الداخلية بهدف التغطية عليها. في حين تستعد روسيا لحصد كعكة الوقوف بجانب الأسد منذ بدء الصراع في عام 2011 حتى استعاد معظم أراضيه، لتبقى إدلب المدينة الأكبر التي لا تزال خارج نفوذه، بينما تلعب إيران هي الأخرى دورها التي رسمته لها بالمنطقة لتظل سوريا والعراق واليمن ولبنان ملاعب خارجية لصراعاتها الدولية، خاصة مع أمريكا.
ونتيجة طبيعية لمثل هذه التشابكات الدولية، أن تماطل الولايات المتحدة وتحالفها الغربي في عملية إنهاء الحرب في سوريا وإعادة الأمور الى ما قبل 2011 كي تتمكن الدولة السورية من بسط سيادتها وسيطرتها على كامل الأراضي التي استولت عليها جماعات المعارضة المسلحة والإسلامية المتعددة، خاصة في ظل أن القوات السورية باتت قاب قوسين أو أدنى من استعادة كامل التراب السوري. لكن الأطراف الدولية والإقليمية كافة تصر على تأجيل استعادة سوريا لمقدراتها السياسية والجغرافية، وتعمل كل القوى تقريبا على حماية بعض الأطراف المحلية والإرهابيين من عملائهم، خاصة في إدلب حاليا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا