النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11026 الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

حين ينشد الشاعر صوت الحرية

رابط مختصر
العدد 10707 الخميس 2 أغسطس 2018 الموافق 19 ذو القعدة 1439

أصدر الفرع الأول من محكمة كلات نادري الجزائية في محافظة خراسان رضوى (شرقي ايران) حكماً على علي رضا سباهي لايين وهو كاتب وشاعر كردي 74 جلده بسبب «الاساءة إلى المسؤولين».
وقد تم استدعاؤه العام الماضي واعتقل في 30 نوفمبر بتهمة «الاكاذيب وتضليل الرأي العام» ثم أطلق سراحه بكفالة في 9 ديسمبر 2017.
إلى هنا وتبدو المسألة عادية في نظام حكم قمعي، أمامنا التهم وأمامنا العقاب المهين للكاتب والشاعر في القرن الواحد والعشرين.
هناك من الشخصيات والمعتقلين السياسيين قد عانوا ويعانون أكثر وأقسى في شكل ومدة التعذيب وهول الايام الطويلة من التحقيق والجولات «العقيمة المريرة» في تلك الاقبية، هناك من قصص التاريخ القديم العبودي والاقطاعي والظلامي حتى سنوات الانظمة الدكتاتورية العسكرية القريبة في اوروبا والعالم الثالث، عاشت وعرفت انماط كثيرة من التعذيب أقسى من عملية الجلد، ولكن التعذيب بحد ذاته يكمن فحواه في قسوة الألم الجسدي احياناً وعذابات الساعات من القسوة البشرية، غير انني أرى في الجلد مهانتين متداخلتين خاصة إذا ما استعملتا في حق الشاعر ذلك الصوت المرهف في ثقافة كل شعب وأمه، المهانتان جرحهما غوره قد يكون أعمق وأغزر وداميا، إذ تختفي الكدمات وتنكفئ الجراح الخارجية فوق سطح الجلد والجسد ولكن الألم الدفين للمهانة الانسانية يحملها الشاعر معه لللأبد لعمق الشعور المكسور المتهدج بأنه سلبت أدميته بذلك الكرباج، ذكرّته بزمن العبودية حين يساق ويباع فيه «الانسان !» كسلعة كما هو بيع الحيوان في سوق الدواب.
كل جلدة تهوي فوق جسد الشاعر هي حقبة طويلة من الألم التاريخي للبشر، حقبة من جرعات الموت والغضب المكتوم للمهانة البشرية، التي كنا نعتقد ان هذا النمط من التعذيب قد اختفى لتطل اشكال اخرى جديدة قد لا تخلوا من استلاب بشع لكرامة الانسان.
 74 جلدة فوق جسد سباهي كانت تعبر كلها عن نبضات الارض الايرانية شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً لتحمل معها رسالة تاريخية حول «أغاني الحرية» فكان صوته يعانق السهوب والجبال والاودية، ويحفر مع صوت الريح صوت ذلك الانين المكبوت في قلب شعوبه التي حلمت طويلا بالتآخي والتسامح والتعايش بين أعراقه، حلم بناء وحدة ثقافية جامعة، متنوعة متعايشة غنية بذلك النسيج الاجتماعي الثري بالفنون والموروث الشعبي الخصب، كانت كل جلدة تحفر في جسد سباهي هي بذرة انفجار مكتوم كالبركان في أسقف البيوت وجدرانها، وكانت تختزن الساعات تلو الساعات نحو حنين الشاعر الحقيقي لصوت الحرية.. صوت سباهي الذي كان يتألم مرتين بل مرات لا تحسب، مرة للمهانة الشخصية لكرامة الكاتب والشاعر ومرة اخرى لمهانة وطن وشعب أدخلته العمامة والظلامية اقبية العصور السوداء. في لحظات الالم الدفينة الصامتة مع سوط الجلاد كانت رعشة قلب سباهي معلقة في افق الحلم، بأن الأفول للنظام العجوز المتآكل لن يبقى طويلاً، وعلينا أن نغني ونغني من اجل تلك الحرية، نجعل من أصواتنا المنفردة غناء كوراليا تخترق سياج بيوت الجلادين قبل غيرهم، نظل نكتب عباراتنا اينما كنا بنغم الحرية الجميل، بعالم لا ينام ويصحو على مأساة شعوب ما زالت تجلد انظمتها الناس، وعلى رأسهم وفوق قمة الجبل، يقف شامخاً مصلوباً شاعرها وهو يحشرج بحنجرة الألم «الحرية.. الحرية تلك الكلمة الحلوة».
يذكرنا الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس من منفاه وسجنه: «مع حلول الليل، تأتي طلقة بندقية من خلف جدران الحديقة» وما زالت تتذكر اثينا في زمن العقداء السود، زمن العسكر صورة أم تركع وسط شارع أمام جثمان ابنها القتيل، هكذا اليوم تصدمنا الصور في المدن الايرانية وغيرها، حيث الدم والموت عناوين البيوت النائية.
مات الشاعر يانيس ريتسوس فيما ظلت أبياته حية كأغاني للحرية فنحن نعيش معه على الدوام في الذاكرة كلماته الرائعة «هل تذكرت أن تنظر من النافـذة؟ هل ابتسمت عندما سمعت طرقاً فــوق الباب؟ فلو أنه الموت – فإنه يأتي في المقام الثاني. فالحرية دائماً تأتي أولاً».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا