النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11029 الخميس 20 يونيو 2019 الموافق 17 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

من الذاكرة!!

رابط مختصر
العدد 10610 الجمعة 27 ابريل 2018 الموافق 11 شعبان 1439

 من قبيل تداعي الذكريات ساعة داهمني الحزن في الأيام الأولى من وفاة والدي رحمه الله وأسكنه جنانه، ذكرت في مقال سابق هنا في هذه المساحة، أن المغفور له بإذن الله والدي، كان يعمل في التجارة، وكان يُطلَق على من يمارس ذاك النوع من التجارة تحديدًا اسم «شريطي». وكنت دائمًا مقتنعًا بأن مهنة أبي -إضافة إلى أنه يطعمنا ويكسينا منها- مهنة اجتماعية من الطراز الأول؛ لالتصاقها بالناس، إذ إنه يذهب إليهم محملاً بما يحتاجون إليه ليبيعه لهم، ولتتم عملية البيع هذه بنجاح يتطلب أن يتحلى البائع ببعض من الخصال، وهي من مقومات هذه المهنة وسر نجاح ممارستها، ويأتي على رأسها دماثة الخلق، والأمانة، وحلاوة اللسان والطيبة، وقد كانت كل هذه الخصال مجتمعة من المكونات الشخصية لوالدي. 

 والدي، كما هو شأن أعمامي الآخرين، كان يملك متجرًا في موقع متميز في وسط منطقة «صبيخة»، وهي المنطقة الواقعة جنوب الخبر مباشرة، ولهذا تسمى بالخبر الجنوبية، وكان من عادته اصطحابي معه في العطل المدرسية بهدف غرس بذرة المهنة فيّ لأرثها من بعده. لم يوفق والدي في تعليمي إياها، ليس إخفاقًا منه وفشلاً في طريقة غرسه لأبجديات المهنة، وإنما لأني لم أكن ميالا إلى هذا النوع من العمل، خصوصًا أنه في فترة بواكير السبعينات كانت البحرين تتميز بكثرة عروض العمل ووفرة فرصه ضمن المؤسسات الحكومية والخاصة، أيامها كان يكفي الواحد منا أن يتخرج من الثانوية العامة ليدعى كي يتسلم وظيفته حالاً، على هذا النحو جرت الأقدار معي، إذ اخترت وقتها أن أكون موظفًا موفرًا على والدتي وأخوتي مواجع غربة فرد آخر من الأسرة الصغيرة. لم أكن لأجاهر برفض هذه المهنة أو رفض مصاحبة أبي إلى المملكة العربية السعودية التي كنا نصلها عبر البحر من خلال ميناء الخبر في مدة لا تقل عن ثلاث ساعات ولا تزيد على خمس؛ لأسباب لعل أبرزها تعلقي منذ صباي بالمملكة العربية السعودية وإعجابي بمهارات أبي في عمله، وهذا ما جعلني مشدودا إلى مرافقة أبي، قناصًا لأي سانحة تتيح لي مرافقته. وفضلا عن هذين السببين الأولين، ثمة سبب آخر يتصل بما نسجته من علاقات وما أقمته من صداقات متينة مع عدد من أبناء منطقتي «صبيخة» والخبر، أترحم على من منهم غادر دنيانا، وداعيًا بطول العمر لمن مازال حيًا يُرزق.

 كانت لوالدي (رحمه الله) عاداته وطقوسه في ممارسة التجارة، ومن ضمنها ضرورة أن يكون على الأرض السعودية الكريمة يوم الأربعاء حتى يتهيأ بما جلب من البضاعة المطلوبة، ليكون حاضرًا في السوق القطيفية منذ الصباح الباكر؛ لأن السوق القطيفية مربحة، والقوة الشرائية فيها كبيرة إذا ما قورنت بسوق «صبيخة» أو الخبر الجنوبية الصغير. ولهذا من النادر أن يكتمل عدد أفراد الأسرة يومي الخميس والجمعة، لكن لا أنسى أنه لا يفوّت فرصة العيدين أن يكون معنا حتى لو كلفه ذلك القدوم متأخرًا في ليلة العيد بالطائرة. لقد كانت هذه الطقوس فعالة في إنشاء إيقاع عملي كنت أتابع فيه دقة والدي (رحمه الله) بإعجاب الابن بأبيه، وكنت فيه أنشئ ما به كبرت ونضجت وخبرت الناس والحياة، مع اعتراف بتقصيري في الجوانب المتعلقة بالتواصل الاجتماعي!

 كثيرة هي الصور والمشاهد التي لا تزال راسخة في ذاكرتي، مع بعض غبش طال أسماء الشخوص وأخفى ملامح الأماكن بحكم الطفرة العمرانية التي شهدتها المملكة العربية السعودية. من هذه الصور أنه في وقت مبكر من صباح ذات خميس غائض كنا أنا وأبي وأحد زملاء المهنة ذاتها على موعد لركوب السيارة متجهين إلى القطيف، وقبل أن نصل إلى منطقة السوق طلب أبي من سائق السيارة أن يُعرج على بيت أحد القطيفيين ليسلمه دواءً كان قد طلب من أبي إحضاره له من البحرين. ولسوء الطالع والبخت أن الرجل قد انتقل في صباح ذاك اليوم إلى رحمة الله. وكانت مفاجأة لأبي الذي جلس يبكيه مثل طفل. وسأل متى سيكون الدفن؟ وقيل له إنه الآن يوارى الثرى في المقبرة، فسارع أبي بالطلب من صاحب السيارة أن يصحبنا إلى حيث يكون الدفن. وشاركنا مع أهله وأصحابه في الدفن، وحضرنا جزءًا من الوقت في مجلس العزاء الذي كان في مأتم بالمنطقة. سألت والدي من هو هذا الرجل؟ فقال لي هذا الرجل محمد بوعبدالله الذي يستقر في بيتنا كلما قدم إلى البحرين. فتذكرت الرجل، وكان (رحمه الله) فعلاً كريمًا، وذلك مما ضاعف شحنة الحزن لدي.

 المشهد السالف طفا إلى سطح ذاكرتي عندما أتيحت لي فرصة التعرف على شخص من منطقة سيهات بالمملكة العربية السعودية، دمث الخلق وجميل المعشر، وكنت قد أطلعته على ما تبقى في ذاكرتي السبعينية من معرفة بالقرى والمناطق التي نمر بها ونحن نقطع درب مدينة القطيف، الذي بدا في ذلك الزمن طريقًا طويلاً، وحدثته كيف أن والدي لا يأتي يوم الخميس إلا وهو في ربوع هذه المدينة النابضة بالحياة وبالحركة الدؤوبة.

 وعندما أتأمل العلاقات الإنسانية بين أبناء الوطن الواحد، سواء في البحرين أو السعودية، التي يُريد لها البعض أن تسوء رغم انقشاع مسببات السوء، أتذكر تلك الأيام وما كان يلفها من فهم وتفاهم بين الأفراد في تلك الحقبة الصعبة معيشيًا، ودور الناس الاجتماعي في إشاعة الرضا بمعطياتها الاقتصادية بما جبلوا عليه من طيبة وجلد وتفهم وتحابب وتراحم كان يخفف عنهم كل الأعباء والأثقال مهما عظمت. هذه هي مدرسة جيلنا -جيل الخمسينات والستينات- التي تعلمنا منها حب الآخر. كان آباؤنا يستشرفون المستقبل ليبنوا علاقاته من واقع تعامل يومي يرتكز على الاحترام والمحبة. لم يتعلم معظم آباؤنا في المدارس ولم يأخذوا دروسًا في المواطنة، ولا الانتماء ولا الولاء، لكنهم غرسوا فينا هذه القيم من حيث كانوا يطمعون في أن تستقر الأوضاع ليسهل بناء المجتمع وتنهض الدول. رحم الله وطرًا مضى، ووهب أفراد وطرنا هذا قيمه ومقومات قوته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا