النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

عودة إلى المأساة السورية...

رابط مختصر
العدد 10608 الأربعاء 25 ابريل 2018 الموافق 9 شعبان 1439

 استعرضت في مقال يوم الجمعة الماضية بالتعليق مواقف سياسية تشكلت بُعيد تنفيذ دول كبرى ثلاث من الدول الدائمة العضوية بالأمم المتحدة ما تَرَدَدَت في تنفيذه طويلًا قبل أن تعقد النية وتستجمع العزيمة لتوجيه ضربة عسكرية تأديبية محدودة النطاق ومحدودة الأثر أيضًا ضد نظام بشار الأسد. هذه الضربة العسكرية ما كانت لتكون شأنها في ذلك شأن الدمار الذي جعل الحالة السورية استثناءً إنسانيًا بعد الحرب العالمية الثانية من حيث عدد المشردين والقتلى وألوان فتك الإنسان بالإنسان لولا دموية نظام حزب البعث وتقديم بشار وعصابته كرسي الحكم على مصلحة شعب بأكمله لا جريرة له إلا مطالبته بشيء من الكرامة والحرية، وهذا كلام نسوقه لمن أدان الضربة مذكرين إياه بأنها لم تأتِ بدوافع الحد من تلويح نظام بشار الأسد بمواقف قومية تعزز استقلالية القرار السوري العربي، أو لأن هذا النظام يعمل على تحزيم القوى العربية وأخذ دور القائد في تحرير فلسطين عبر صنع هبة عروبية عربية قد تهدد الأمن القومي الإسرائيلي تهديدًا يعلم القاصي والداني أنه لم يكن يومًا ولن يكون في أي يوم إذ في هضبة الجولان المحتلة منذ النكسة خير شاهد وبرهان على الحس القومي التحرري التقدمي لنظام الأسدين الأب وخليفته طبيب العيون الذي فاته أن يداوي نفسه قبل الآخرين ليبصر بشاعة النظام الذي ورثه عن أبيه فأبى إلا أن يزيده فظاعة على فظاعة بصناعة مأساة تعجز الألسن عن تعديد مظاهرها.

 لقد بلغ الكبر ببشار ونظامه الرث حد الاستهتار بحياة المواطنين السوريين العزل إلا من العزيمة على إنهاء الحكم الدكتاتوري، واللجوء إلى استخدام السلاح الكيماوي المحرم والمجرّم قانونًا وأخلاقًا، ضد شعبه. لقد تحالفت ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن على توجيه ضربة عسكرية ضد النظام السوري، وليس الشعب السوري، وهذه الدول وإن كانت لها كغيرها من القوى العظمى أخطاء فإن ذلك لا يعني أنها أخطأت هذه المرة؛ لأن فوق الشرعية الدولية شرعية أخلاقية مدارها ردع سفاح عن الإيغال في سفك دماء الأبرياء. فما الذي هيّج المشاعر وثوّر العواطف عند البعض من المواطنين العرب، ومن هذا البعض بعض من الخليجيين؟

 إجابة عن السؤال السالف أقول إنه إلى جانب المواقف السياسية التي تشكلت على خلفية الضربة العسكرية هناك مواقف عاطفية قومية متناقضة لها وقعها المسموع في المجتمعات العربية أخذت في التبلور لدى المواطنين العرب مدفوعة بميراث ثقافي شديد الخصوبة في هذا الجانب. ليس شرطًا أن تتفق هذه المواقف العاطفية مع مواقف حكوماتها السياسية، فهناك موقف عاطفي تخلق في أثر هذه الضربة وقد كان مرحبًا بها وأصحابه منسجمون مع الموقف السياسي لحكوماتهم، ويعتقدون بأن النظام السوري جلب الويلات للشعب السوري وينبغي وضع نهاية للمأساة التي يكابدها على مدى سبع سنوات من عمر الحرب وعلى مدى حكم الأسد، الأب والابن، أي منذ ما يقارب الخمسين عامًا. 

 أمّا الموقف العاطفي ذو المنطلق القومي الأبرز الذي يمكن تلمسه وتحسسه في الوسط الاجتماعي المحلي والعربي من خلال وسائط التواصل الاجتماعي، وأراه أنا موقفًا سلبيًا؛ لأنه يحتمي بالإيديولوجي ليغض الطرف عن أفظع الجرائم فيكرس لممارسات النظام السوري الوحشية شرعية «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» وليس الأخ المقصود هنا الشعب الأعزل التواق إلى الحرية بل هو السفاح المجرم، ويكرّس لممارسة النظام السوري البشاعة الطائفية ضد شعبه، ولعب دور تفتيتي لما تبقى في النظام العربي من خلال ربط قراراته بتبعية دول أجنبية تضمر العداء للعرب ونخص بالذكر هنا إيران التي لا تتورع عن دس أنفها البغيض في شؤون شعوب تضمر إيران إزاءها حقدًا دفينًا. إن القول بأن سوريا بلد عربي ولا ينبغي القبول باستهدافها من أي طرف أجنبي كان، كلمة حق أريد بها باطل؛ فمنها يستلهم سفاح دمشق ما يمنحه الضوء الأخضر ليواصل قتل الشعب السوري.

 لقد استغلت الآلة الإعلامية للنظام السوري رمزية العدد لتلعب على المشاعر عبر مقارنة لا تستقيم عقلًا ولا منطقًا بالإشارة إلى أمثلة من التاريخ العربي المعاصر وخصوصًا العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956، وهذه لعبة إعلامية مؤثرة يجيد الإعلام السوري حبكتها، ولعل اللجوء إلى هذا المثال في التاريخ أغفل فيه دعاته الأسباب في الحالتين، فهي استعمارية في الحالة المصرية وإنسانية في الحالة السورية، وشتان ما بين السببين والظرفين.

 بالله كيف ينسجم هذا الموقف مع مشاهداتنا اليومية على مدى سبع سنوات للممارسات غير الإنسانية التي يأتيها النظام السوري ضد شعبه! نحن بهذا الموقف، من حيث ندري أو لا ندري، نمد النظام بالقوة لممارسة مزيد من البشاعة ضد الشعب. وهذا ما سوف يحدث إذا ما تعاظم هذا الموقف واتسع.

 المثير والمستغرب من هؤلاء الناس، وخصوصًا الإعلاميين والصحفيين منهم، الذين رفعوا أصواتهم منددين بالضربة العسكرية الموجهة إلى النظام السوري وليس الشعب السوري، وهم في الواقع فئتان، فئة منهم لاذت بالصمت ولم تسمع أنها نددت بالأعمال الوحشية التي يرتكبها النظام السوري على مدى سبع سنوات على الرغم من أن الممارسات الوحشية للنظام السوري أسفرت عن قتل أكثر من نصف مليون سوري، تصوروا أكثر من 500 ألف إنسان! وأكثر من 3 ملايين مصاب بمختلف الإصابات المادية والنفسية، ويضاف إلى ذلك عددًا مهولًا من الفارين من بيوتهم وبلدهم يبلغ أكثر من نصف سكان سوريا. أما الفئة الأخر فهى متناقضة مع نفسها أخذت تندد بممارسات السلطات السورية واليوم تندد بالضربة العسكرية. أفليس العشم والأمل الذي كان يحدونا من الضربة العسكرية هو إضعاف القدرات العسكرية للنظام السوري؟!

 مطلوب من أفراد الفئتين وقفة مع النفس للتأمل والمراجعة لأنهم يدافعون عن نظام قاتل. نظام لا يستحق إلا الزوال.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا