النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

حين تعاند روسيا حتمية التاريخ...

رابط مختصر
العدد 10601 الأربعاء 18 ابريل 2018 الموافق 2 شعبان 1439

 على مدى الأيام التي أعقبت كيماوي الغوطة، لاحت الولايات المتحدة الأمريكية مترددة، مكتفية بالوقوف المتجمد عند الخطوط الحمر للرئيس السابق باراك أوباما ولم تتجاوزها باتخاذ أي إجراء عقابي ضد نظام بشار الأسد، قبل أن تحسم أمرها وتبادر إلى ضربة عسكرية استعراضية بدت الغاية منها لا تتجاوز حدود حفظ ماء الوجه، على الرغم من حساسية الوضع في المشهد السوري وخطورته على السلم العالمي. غير أن الأمر الذي يحير ويُثير عجبًا هو، كيف يمكن أن يتاح لنظام بشار الأسد أن يلعب على هذه الحساسية ويفتك بشعبه بذريعة أن لا أحد يجروء على أن يمسه بسوء طالما بقيت روسيا حامية له. الوضع السوري الروسي والوضع الإسرائيلي الأمريكي يدفعان على السطح سؤالًا قيمياً لابد من طرحه في ظل واقع العلاقات الدولية الآن ولعبة الشطرنج الأمريكية الروسية: أين القيم التي في ضوئها تأسست الأمم المتحدة؟.
 ومن رحم السؤال الإنكاري السابق ينبثق سؤال آخر مداره مدى اقتناع روسيا بالدفوعات السورية المتبرئة في استهتار واضح بالقيم الإنسانية من استخدامها السلاح الكيماوي ضد المواطنين السوريين في الغوطة على الرغم من أن كل الشواهد والبراهين الأممية تشير إلى أن هذا السلاح نفسه قد تم استخدامه مؤكدًا في عام 2013 في الغوطة الشرقية وراح ضحيته أكثر من 1700 قتيل، وفي عام 2017 في بلدة خان شيخون مما أودى بحياة نحو 100 شخص أغلبهم من الأطفال؟ بأي معنى تكون الإجابة عن هذا السؤال بكلا باتة، خاصة وأن روسيا أكثر من غيرها من الدول الأخرى تعلم، بحكم العلاقات التاريخية الراسخة منذ كانت سوريا حليفة للاتحاد السوفيتي، أن النظام السوري لا يتورع عن استخدام أي سلاح، حتى السلاح النووي، لو كان هذا السلاح في حوزته، ضد شعبه للحفاظ على نظامه الآفل، والتاريخ السوري حافل بالشواهد والأدلة التي تبين مدى وحشية نظام البعث في التعامل مع معارضيه.
 روسيا للأسف الشديد ضالعة في التستر على استخدام نظام بشار الأسد كل الأسلحة المحرمة في الفتك بشعبه، وأقول «للأسف الشديد»؛ لأنها بدلاً من أن تناصر شعبًا ضعيفًا ينحره نظام بشار الأسد الغاشم، كل يوم ومنذ أكثر من سبع سنوات، من الوريد إلى الوريد، وقفت إلى جانب الجلاد وناصرته في لعبة مصالح حقيرة ما كان لها من ضحية إلا الشعب السوري المسكين المغلوب على أمره، والذي وجد نفسه رهينة الإرهاب والترهيب، وحطب حرب يؤججها الآخرون دفاعًا عن مصالحهم ومواقعهم ولو على حساب دماء الملايين من أبناء الشعب السوري.
 في كل مرة من المرات الثلاث التي استخدم فيها النظام السوري الكيمياوي، هذا السلاح المحرم دوليًا ينتفض المجتمع الدولي لمعاقبة النظام السوري على مستوى مجلس الأمن، وفي كل مرة تكون روسيا هي العقبة الكأداء باستخدامها حق الفيتو. فهل هذا مقبول من قوة تحفظ التوازن الدولي باعتبارها القوة العظمى الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية؟ ذريعة حفاظ روسيا على مصالحها بالوقوف إلى جانب نظام الأسد الدموي واهية؛ لأنها ما كانت لتخسر شيئاً لو وقفت إلى جانب الشعب خاصة وأن للتاريخ أقداره الخاصة؛ إذ لم نسمع يومًا بطاغية استطاع هزم إرادة شعب وكسرها؛ فللشعوب إرادة تكسر أعتى الأقدار وأعتى الدكتاتوريات. على روسيا أن تدرك أن نظام بشار مهما فعل لن يدوم؛ لأن الطغاة لا يدوم مكوثهم على كرسي الحكم. هذا ما يخبرنا به التاريخ في مسيرة الشعوب، وعليها في ضوء هذه الحتمية التاريخية أن تُعدل مواقفها؛ بالوقوف إلى جانب الحق، ففيه المصلحة الدائمة لسوريا وللعالم أجمع.
 والأمر المهم الذي على الساسة الروس تقبله هو أن نظام بشار الأسد لم يعد مقبولًا لا في داخل سوريا ولا في الإقليم ولا في العالم. ويبقى الاصرار على تثبيته رئيسًا على سوريا هو إصرار على زيادة كلفة التحرر منه أرواحًا ودماء. روسيا اليوم مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى التخلي عن بشار لكسب الشعب السوري. وهي مدعوة أيضًا لبحث مستقبل سوريا ليس مع تركيا وإيران وإنما مع المعارضة السورية ومع المملكة العربية السعودية، من جهة ومع أركان النظام السوري من جهة لكن لتسليم البلد إلى السوريين ليجدوا صيغة الحكم المناسبة التي تعيد النظام والاستقرار في البلد. وبذلك تكون الأطراف هذه ضامنة للمصالح الروسية في سوريا وفي البحر المتوسط.
 سوريا شبعت دمارًا، ولا أحسب أن ضربة عسكرية، رغم خطورتها على السلم الدولي، ستنهي نظام بشار على الرغم من بعض الأهمية التي قد تكتسبها في تأديب نظام الأسد لكي لا يعاود ممارسة القتل الجماعي. وأُعيد وأكرر إن هذه الضربة المفترضة لن توقف التوحش السوري الذي سيتجدد في صيغ قتل وتشريد مختلفة. لذلك فإن على روسيا باعتبارها صاحبة مصلحة في استقرار سوريا أن تكون ضاغطة على نظام بشار لكي يستجيب ويغادر الحكم. ثم القول بأن الضربة ألحقت إهانة بالرئيس بوتين، كما قال سفير روسيا في واشنطن، هو لا معنى له أمام إهانة نظام بشار الأسد للسوريين على مدى حكمه، وإهانته للمشاعر الإنسانية بسحقها يوميًا على الأراضي السورية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا