النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11026 الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

الثقافة أولاً

رابط مختصر
العدد 10370 الأربعاء 30 أغسطس 2017 الموافق 8 ذو الحجة 1438

كان هاجس تطوير الثقافة يلح علينا منذ أن بدأ اشتغالنا بها، وانشغالنا معها، وهو حلم قدره خمسة عقود، كما هو هاجس متوارث منذ فترة مبكرة من القرن الماضي، كما حدثت مستجدات في الطريق فرضت علينا أن نهتم بالثقافة أكثر من أي وقت مضى.
هذا الهاجس صار ملحًّا عدة مرات مع تكرس الطائفية، ودخولنا في تجربة سياسية وليدة تحتاج بدورها الى الثقافة، بقدر ما تحتاج إليها فكرة القضاء على الطائفية، إذن هناك سببان ملحّان صادفانا في الطريق. وكما أننا لا نستطيع التحرر من الطائفية إلا بالثقافة، فكذلك لن نستطيع إنجاح التجربة الديمقراطية إلا بالثقافة. وسنلاحظ أننا في كل الحالات لا نستطيع إنجاح الديمقراطية في ظل ثقافة طائفية.
التحول السياسي في حد ذاته أضاف إلينا افتراضات جديدة تلزمنا بالنهوض الثقافي وتزيد من أهميته، حيث لاحظنا أن هشاشة الواقع الثقافي قاد التجربة الإصلاحية الى مسالك مربكة. ولكن هل نحن مهيؤون لنهضة ثقافية؟ وهل يمكن لإيقاع الثقافة الحالي أن يصل بنا إلى أهدافنا لخلق مواطن يمتلك ثقافة عابرة للطوائف؟ بداية كان من المفترض أن نبدأ النهضة الثقافية في الوقت الذي تخطينا فيه مرحلة النهوض التعليمي منذ عقدين وأكثر، وفي ذلك الوقت إنحسرت الأمية الى درجة إقتربت فيها من الصفر، لكن الأمية الثقافية حتى الآن لم تقترب من درجة الصفر وهي بعيدة عن الهدف الذي نريد.
إن الثقافة هي مشروع طموح وهي أكبرمن محوالأمية وانتشار التعليم، فالثقافة لها آليات أكثر تعقيدا من التعليم، فهي تتعامل مع العقل بشكل موسع، ونوعي، وهي بذلك تدخل في صدام مع الثقافة التقليدية التي ترسخت عبر قرون طويلة.
وكما هو معروف فتغيير العقول مسألة معقدة وصعبة، ولا يمكن تحقيقها في سنوات قليلة، صحيح أن التعليم يمهد الطريق للثقافة، لكن ذلك وحده لا يكفي لتجديد الثقافة، فأنت قد تعلم الناس القراءة في المدارس لكنهم خارج المدارس سيقرؤون كتب الثقافة الطائفية، وهذا الأمر يظهر جليًا عندما نلاحظ أن انتشار التعليم عندنا لم يقض على الطائفية، إن الهدف الأساسي للتعليم هو إدماج الناس بالثقافة العصرية التي هي وحدها قادرة على انتشالنا من المأزق الحضاري الذي نعيشه ونعاني منه، والجدير بالذكر أن الثقافة العصرية شهدت لها بدايات جميلة في الستينات، لكن إنتشار الثقافة التقليدية الطائفية الكاسح الذي بدأ في الثمانينات قضى على ثمار الثقافة الحديثة الناشئة.
حتى الآن فنحن حققنا تعليمًا عاليًا ولكننا لم نحقق ثقافة عالية، انتشار التعليم في حد ذاته لا يمكن أن يكون ذات جدوى كبيرة إذ لم يصبح معبرًا أوليًا للثقافة تلك التي تؤهلنا للدخول في العصر من أوسع أبوابه «علمًا بأننا نقف عند الأبواب الضيقة للعصر حتى الآن»، ومن الممكن أن يهيئ لنا التعليم مجموعات من الكتبة والموظفين، ولكنه لا يستطيع أن يذهب الى أبعاد رائدة تشبع طموحنا للتقدم، يجب أن نعترف الآن أن مشاكلنا الكثيرة السياسية والاجتماعية والاقتصادية كان سببها هذا الخلل الثقافي، ولن نخدع أنفسنا في هذا الخصوص فنقول أن الثقافة عندنا تحضى بانتشار واسع، فالثقافة منحصرة في النخبة التي لا تشكل خمسة في المائة من المجتمع.
والاختبارات الدولية للثقافة في الوطن العربي جاءت بنتائج مخيبة للآمال ومؤلمة، إذ بينت أن القراءة في الوطن العربي متدنية كثيرًا بالنسبة لدول العالم، ونحن جزء من كل هذا الوطن العربي ولسنا خارج هذا الإطار، لهذا السبب فنحن نعيش خارج العالم المتقدم.
تجارب الشعوب المتقدمة علينا تقول إن الثقافة هي التي نقلت الغرب من الحظيظ الى القمة، ومن الظلام الى النور، وما قبل ذلك عاشت مجتمعات الغرب في قرون من الجهل والتخلف، وتذكر لنا تواريخ هذه المجتمعات أن عصر التنوير في الغرب، في القرن الثامن عشر، الذي انتشرت فيه الثقافة هو الذي أحدث النقلة الحضارية التي أوصلتهم الى التكنولوجيا الحديثة المبهرة، ولكن هل نحن مهيؤون لنقلة نوعية في الثقافة؟ حتى الآن نحن بعيدون عن هذه النقلة ونحتاج الى رحلة تنوير تنشغل فيه عقول الناس بالثقافة، وقد يستغرق ذلك عقودا، لذا كان من الضروري جدا أن نبدأ الآن.
كانت الطلائع المثقفة في بلادنا تعرف أهمية الثقافة في حياتنا فراحت تؤسس المنتديات الثقافية والأدبية منذ عشرينات القرن الماضي، وبجانب ذلك افتتحت هذه الطلائع مدارس صغيرة أهلية كما فعل إبراهيم العريض وعبد الرحمن المعاودة وغيرهم، ذلك لأنهم كانوا يدركون في تلك الفترات المبكرة أن الثقافة لا تنتشر إلا مع التعليم.
 الثقافة بمفهومها الواسع لا يمكن أن توجد في بلدان ترزح تحت وباء الأمية وثقلها البغيض، ولا يمكننا أن نتحدث عن وجود ثقافي خارج نطاق القراءة والكتابة، وجدير بالذكر أن التعليم في البحرين قد إتسع بشكل أفقي ورأسي في العقود الأربعة الأخيرة، ومع بداية القرن الجديد، كان مجتمعنا مؤهلا للدخول في مرحلة ثقافية متقدمة، لكن الطفرة النفطية والثورة التكنولوجية في العالم خلطت الأوراق، ثم قضت الثقافة الطائفية التقليدية على ما تبقى من هذا المشروع، والمتتبع للشأن الثقافي الآن عندنا في مرحلة الإصلاح يلاحظ هذا التطور المتعدد للثقافة، لكن هذا لايكفي، فلا زالت الثقافة الطائفية التقليدية هي الأوسع انتشارًا، ولا زلنا في المنطقة الرمادية المحزنة والكئيبة، وبالتالي فنحن بحاجة الى مشروع ثقافي طموح إستثنائي ينقلنا من التقليد الى التجديد، ومن المراوحة الى الحركة. ومن الغريب أننا نتكلم كثيرا في وسائل الإعلام المتنوعة عن الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي، ولا نتحدث عن الإصلاح الثقافي، وهذا يشكل خللاً منهجيًا لم ندركه بعد، وقد نصحو عليه في وقت متأخر. ونستطيع أن نعبر بذاكرتنا على عدة مواقع سياسية وإعلامية كالمجلس النيابي والإعلام الرسمي والصحف ونلاحظ في كل هذه المواقع أن نصيب الثقافة فيها هو الأضعف، وأعتقد لو أننا انشغلنا بالثقافة كما ننشغل الآن بالسياسة والاقتصاد، لوصلنا الى مواقع سياسية واقتصادية متقدمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا