النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

يوم بكت الكوميديا!!

رابط مختصر
العدد 10358 الجمعة 18 أغسطس 2017 الموافق 26 ذي القعدة 1438

 كان يوم الجمعة الماضي يوما شاحبا مدلهما كآبة وحزنا، استيقظ الكويتيون والخليجيون والعرب مشرقا ومغربا على نبأ فاجع، لقد توقف نبض قلب الفنان الكبير عبدالحسين عبدالرضا وانتقل إلى جوار ربه. نعم تلك هي الحقيقة المأساوية التي داهمتنا صباح اليوم التالي، لقد توقف قلب صاحب الأعمال الفنية العبقرية التي لا تشيخ، بكى الخليجيون من الكويت إلى عمان والعرب من المحيط إلى الخليج فنانا استثنائيا وأيقونة من أيقونات المسرح العربي، بكوه حسرة لأنهم يشعرون بأنه واحد من الفنانين القلائل الذين نجحوا في أن يحوزوا مكانا ومكانة في قلب كل من شاهد له عملا من أعماله البديعة، فهو الذي استطاع أن يدخل البهجة إلى قلوبهم وأن يرسم البسمة على شفاههم في زمن الانتكاسات والأحزان التي لا تنتهي والقنوط الزاحف إليهم من كل حدب وصوب. في هذا اليوم تخيلت الكوميديا وقد اختارت من بين المسارح الثلاثة التي أسهم في تأسيسها زاوية من مسرح الفنون الذي أسسه هو نفسه في عام 1979، تندب حظها وتسكب الدمع مدرارا في فجيعتها. فهو من اعتنقها منهجا وجعلها حاضرة في جميع ما أنتج من أعمال فنية ونجح أيما نجاح في تسخيرها أداة للكشف عن الكثير من مكامن الجمال التي تزخر بها مجتمعاتنا، وأبدع في تحويل العيوب والمثالب التي تعاني منها هذه المجتمعات إلى موضوع إضحاك يحمل دعوة صريحة إلى الانفتاح الاجتماعي.

 مثلي مثل غيري من مواطني مجلس التعاون وبعض العرب الذين وصلهم فن هذا العملاق الكويتي الخليجي وتابعوا على مدى الخمسين عاما المنصرمة بفرح واغتباط أعمال الراحل عبدالحسين عبدالرضا المسرحية والتلفزيونية، وكنت مثلهم أيضا أعيش حالة من الترقب والانتظار لمساحة الضحك التي نعد بها النفس ونحن نتابع تفنن الراحل في إدخال البهجة في نفوسنا وانتزاع البسمة بل الضحكة من شفاهنا مع كل عمل يعلن عنه. هذه المتابعة لم تقترن بوقت عرض العمل الفني لأول مرة، وإنما حتى عند عرضها بعد سنوات من العرض الأول، لأن من ميزة أعمال الممثل الراحل أنها لا تتقادم بفعل الزمن! فمتابع أعمال الراحل عامة والمواطن الخليجي خاصة سواء أكان من مواليد أربعينيات القرن العشرين أو من مواليد الألفية الجديدة لا يمل من مشاهدة «درب الزلق» على سبيل المثال، فعلى الرغم من أن هذا المسلسل يصور حياة المجتمع الخليجي قبل أربعينات القرن العشرين، فإن المرحوم قد استطاع بفنه الراقي وأدائه المتقن أن يجبر مشاهدا من القرن الواحد والعشرين على أن يكون متابعا وفيا لوقائع هذا المسلسل. «درب الزلق»، وعلى الرغم من أنه بنى سمعة خرافية لدى أجيال متعاقبة من أبناء الخليج العربي، إلا أنه لم يكن العمل الوحيد الذي تتوافر فيه عناصر العيش المديد في الذاكرة المجتمعية وإنما هو المثال الأسطع على ما نعنيه بالقول إن أعمال الراحل لا تشيخ أبدا.

 لقد كنت، أيضا، واحدا ممن يستغرقون في الضحك وقت مشاهدة «حسينوه»- كما كان يطلق عليه الفنانان المرحومان خالد النفيسي وعلي المفيدي في مسلسل «درب الزلق»، وصارت هذه الكنية المحببة لدى عشاق المرحوم وهو يتقمص أدوار الشخصيات التي كان يؤديها بإتقان ويضفي عليها من روحه المرحة وإبداعه الفياض ما يجعلها نماذج من العسير على المرء أن ينساها أو أن يتصور ممثلا آخر يؤديها غير المرحوم. لقد انطبعت أعماله في وجداننا وذاكرتنا وصارت كلماته ودعاباته جزءا من تداولنا، فما من واحد إلا وفيه شيء من الحرص على تحميل ذاكرته بمفردات وجمل وحتى مشاهد من أعمال الراحل ليوظفها إذا اقتضت الحاجة في سياقات اجتماعية حقيقية يروم منها أن يكون صاحب حضور اجتماعي طريف أو (خفيف طينة) على نحو ما نصف به هذا الشخص!

 الضحك هو القاسم المشترك بين كل الأعمال التي قدمها المرحوم عبدالحسين عبدالرضا في مسيرته الفنية التي غطت زهاء ستين عاما من عمره. هذه هي الإجابة التي أزعم أنها ستكون على لسان أي مواطن عربي تسأله هذا السؤال: ما القاسم المشترك بين الأعمال الفنية التي قدمها الفنان عبدالحسين عبدالرضا؟ لقد كان الراحل كوميديانا من طراز نادر، والحق هم قليلون الذين أجادوا غرس شتلات تعطي الضحك حصادا في بيئتنا العربية المجبولة على انتاج الأحزان ونقلها بأمانة إلى الأبناء!

 من الواجب علينا تجاه هذا الفنان الكبير، وبعد أن صار بين يدي رب العالمين أن ندعو له بالرحمة والمغفرة. وإنه لمن سوء الخلق وقلة التربية أن يظهر علينا من الناس في مثل هذا الوقت من يدعو إلى غير ذلك قاصدا الفتنة، كما فعل أحدهم، الذي تقيأ عفنا طائفيا وجهلا فظيعا منكرا علينا أن نودع فناننا الراحل بصادق الدعاء بالرحمة والمغفرة، وكأنه بقيئه ذاك يمتلك مفاتيح الغيب جنة ونارا يمنحهما لمن شاء في خياله العفن المريض، لقد أبى ذاك المختل، الذي سخرت منه المكونات الاجتماعية قاطبة، أن يذهب الفنان عبدالحسين عبدالرضا بجلال موته مودعا الملايين من محبيه، من دون أن يتسلق المشهد المهيب ليرمي في آخر سويعات الوداع، الراحل ومن أحبوه بما رحبت به نفسه من بغض وكراهية. لقد فرض علي هذا الموقف سؤالا شاغلني، ودعني، قارئي الكريم، أفضي به إليك: من يا ترى يستحق الدفن حقا، ومواراة أفكاره قبل جسده التراب، أهذا العملاق الذي رسم البسمة على شفاه أجيال متعاقبة من المواطنين على مدى سني عمره، أم هذا النكرة الذي أثبت أن من سمات نفسيته وروحه البغضاء والكراهية، بالإضافة إلى الكسل عن البحث في المشتركات الاجتماعية الوفيرة بيننا، لخلق حالة تعايش مجتمعية بذل من أجلها عبدالحسين عبدالرضا الكثير من أجل إشاعتها في مجتمعنا الخليجي؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا