النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

استثنائية الفن والنضال

رابط مختصر
العدد 10238 الخميس 20 ابريل 2017 الموافق 23 رجب 1438

استضاف مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث مساء الإثنين الموافق 17 أبريل 2017 عمل الممثلة المسرحية والكاتبة الفلسطينية رائدة علي طه، الذي تسرد في مشهد مسرحي مؤثر قراءتها لاستشهاد والدها علي طه. 

وقد استشهد علي طه في العام 1972 في مطار اللد مع رفيقه في العملية الشهيد عبد العزيز الأطرش، عند قيادته لعملية اختطاف طائرة (سبينا) البلجيكيّة عام 1972، مطالبين بالإفراج عن 100 أسير، إلّا أنّ القوّات الإسرائيليّة الخاصّة، «وبعد 20 ساعة من المفاوضات مع الإسرائيليّين والبلجيكيّين والصليب الأحمر، استطاعت اقتحام الطائرة، بعد أن تنكّر أفرادها بزيّ عمّال أدخلوا الطعام والشراب للرهائن، إثر موافقة المُختطفين التابعين لمنظّمة (أيلول الأسود)على ذلك، فقُتِلَ علي طه وعبدالعزيز الأطرش، واعتُقِلَتْ تيريزا هلسة وريما عيسى». 

 لسبب ما، لا يستطيع المشاهد أن يدركه، تحاشت رائدة الخوض في تفاصيل العملية، واكتفت عوضا عن ذلك بقراءة، شابها الكثير من الخشوع المسرحي وصية والدها التي كتبها بخط يده مناشدا فيها، وهنا تكمن حنكة رائدة كمؤلفة قبل أن تفرض نفسها كممثلة متألقة على المسرح في عملها «المونودرامي»، الأجيال القادمة أن ترى الثورة بعيدا عن التقديس المفرط، وتعتبرها، كما تقول وصية الشهيد علي طه «أمانة من أمنيات كلّ ثائر شريف، أمانة تحقيقها واجب وطنيّ مهما كانت التضحيات، وهي أن تبعدوا المندسّين في صفوفنا، تبعدوا الشكّاكين المرتزقة، تبعدوا كلّ من يرتبط بهذه الثورة لتحقيق منافع شخصيّة، ولا شكّ بأنّهم كثيرون جدًّا، وهم أشدّ خطرًا علينا لأنّهم بلا ضمير، بلا شرف، همّهم الأوحد تأمين ملذاتهم الشخصيّة، والشيء الآخر هو أن تهتمّوا بأسر الشهداء، ولا تُشعروا الأيتام بأنّهم أيتام قبل بلوغهم سنّ الرشد، علّموهم علمًا نعتزّ به، علمًا نحارب به العدو. إلى شهدائنا الأبرار، عاشت ثورتنا، عاش كلّ المناضلين الشرفاء». ثم ينهيها بشعار الثورة الفلسطينية الذي وضعته حركة تحرير فلسطين (فتح) «ثورة حتّى النصر». إلا أن هذه القفزة المقصودة، كما يبدو، لم تنسها أن تضع صورة والدها، متدلية على صدرها كي تضيئه متوسطة عقدا بيضاويّا ذهبيّا لمّاعا. 

تجاوزت ذاكرة رائدة، بأدائها المسرحي المميز، وصوتها العذب المتموج بين الشدة الجهورة عند اللزوم، والاسترخاء الناعم عند الضرورة، والانسياب الموسيقي عند الإجهاد، مساحة مسرحها الضيقة المحدودة التي لم تتجاوز كرسي واحد، وإضاءة متكررة بين الأصفر الفاقع والأبيض الباهت، بخلفية شاشة عرض تستعين بها لتعزيز رسالتها للمشاهد. 

أخذت رائدة مشاهديها في رحلة فلسطينية امتدت من سبعينات القرن الماضي حتى ثمانياته... بين استشهاد والدها ورحيل الثورة الفلسطينية من بيروت إلى تونس. مسافة تاريخية غنية بالأحداث التي كتبها الفلسطينيون بدماء شهدائهم، ومعاناة معتقليهم، ودموع أمهات وأقارب الفريقين. 

توزعت المسرحية الفردية التي كتبتها رائدة وأخرجتها يبنا أبيض، على ثلاثة فصول إن جاز لنا التقسيم الفني؛ استهلتها بمقاطع سريعة ومتلاحقة غلب عليها تكثيف المادة المروية، لكنها نجحت في شد انتباه المشاهد وتهيئته للمشاهد الأخرى التي غلب عليها الإطالة، لكنها إطالة غير مملة، بفضل قدرة رائدة على شد الحضور بانتقالها الانسيابي بين لحظات الفرح والحزن، والانتقال الموزون بين شخصية الأم والقائد، كي توصل الحاضرين إلى المشهد الأخير الذي تتألق فيه شخصية رائدة عندما تتقمص شخيصة مجموعة من الأفراد بدءا من عمتها سهيلة، مرورا بالضابط الفلسطيني، انتهاء بوزير الخارجية الأمريكي هنري كسنجر، قبل أن تحط رحالها عند بعض الشخصيات الفلسطينية. 

عند هذه النقطة يقف المشاهد حائرا من هو بطل هذه المسرحية، ومن ثم من هو البطل الفلسطيني الذي أرادت رائدة أن تقدمه للجمهور؟ هل كان ذلك البطل والدها الشهيد الذي أقدم على عملية اختطاف الطائرة، وهو يدرك مسبقا أن احتمال استشهاده أمر وارد بدليل أن كتب وصيته، وقرأتها رائدة كاملة، أم هي زوجته فتحية التي تسميها رائدة «توحة»، التي تسبر رائدة غور شخصيتها التي تتموج بين الأنثى العادية، وزوجة الشهيد، وأم لثلاث طفلات يتيمات عليها تربيتهم، أم الأنثى التي فقدت زوجها قبل أن تتجاوز الـ27 ربيعًا؟ أم أن ذلك البطل الحقيقي هو عمتها سهيلة التي تحدت الجميع ونجحت في استرجاع جثة شقيقها علي؟ 

بعيدا عن ملكة الكتابة لدى رائدة، ومهارة تمثيلها المسرحي التي أبقت المشاهد مشدودا لما يقارب من ساعتين، مترقبا مجموعة من المفاجآت الفنية والسردية، هناك المزاوجة الناجحة بين الإلقاء المسرحي والعرض السينمائي (إن جاز لنا التوصيف) للمادة الأرشيفية التي توجتها رائدة بنهاية، أصرت على ان تكون فيها مسحة كبيرة من التفاؤل، بعرض مشوق للقائها مع عمتها سهيلة. 

بقيت ملاحظة في غاية الأهمية وهو عرض رائدة لمسيرة الثورة الفلسطينية بإضاءات مميزة دعت فيها المشاهد أن ينزع من داخله ذلك التقديس المفرط لتلك الثورة، فمن يقوم بالثورة، كما تقول رائدة، هم في نهاية الأمر بشر، بمن فيهم قادتها، ومن ثم فمن غير المنطقي افتراض أن كل من ينخرط في صفوف تلك الثورة قد تخلص من دنس الأنانية والشهوة الحيوانية، دون ان تنسى ان تؤكد بحروف كبيرة أن ذلك لا ينبغي أن يدعونا لليأس من انتصار الثورة. 

صدمت رائدة مشاهدها في إطلالة تروي فيها محاولة أحد قادة الثورة التحرش بها، ثم أخذت تداعب جوارح هذا المشاهد عندما صدمته مرة أخرى بنشيد «طل سلاحي من جراحي... يا ثورتنا طل سلاحي... ولا يمكن قوة في الدنيا.... تنزع من إيدي سلاحي...طل سلاحي.... دربي مر دربك مر...إدعس فوق ضلوعي ومر»، قبل أن تنتهي بانتصار عمتها على الضابط الصهيوني والوزير الأمريكي والمتخاذل الفلسطيني. 

نجحت رائدة كمناضلة فلسطينية أصيلة قبل أن تتألق كممثلة «مونودرامية» موهوبة. وهي حالة ليست استثنائية في صفوف ثورة فلسطينية صامدة تنطلق من شعب فلسطيني مؤمن بعدالة قضيته وحتمية انتصارها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا