النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

إلى مؤتمر التطرف..

رابط مختصر
العدد 10225 الجمعة 7 ابريل 2017 الموافق 10 رجب 1438

 في فضاء العمل وفق القيم الديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير واحدة منها، يتعذر أو قل يصعب أن يُستدل على أن التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر مرادف للتطرف أو هو التطرف عينه إلا عندما يتجلى في صورة سلوك عنيف. ومن غير ذلك يبقى صاحب هذا السلوك العنيف صاحب رأي ووجهة نظر، ينعم بفضائل حرية الرأي والتعبير ويستجمع قوة يسخرها في المستقبل حين تتاح له الفرصة للانقضاض على كل من يخالفه الرأي والعقيدة والمذهب وحتى الذوق، ولمواجهة الديمقراطية ومن ثم الدولة راعية الديمقراطية التي أتاحت له حق الاحتفاظ باختلافه عن الآخرين.

 بات من المعروف أن التطرف من أكثر العوائق التي اصطدمت بها المجتمعات الإنسانية؛ فهو حيثما حل كان عاملًا أساسيًا في الحد من نمو الدول والحضارات وتطورها، وتضاعف خطره في عصرنا الحاضر لأسباب متنوعة حولت التطرف إلى مذهب مؤسس لأنظمة سياسية كليانية الاستبداد طابعها المميز. لقد أصبح التطرف المسئول الأكبر والخالق الأول لحالات مستمرة ومتنامية من التوترات الاجتماعية والثقافية والسياسية في أكثر من دولة ومجتمع، وصار السبب الأبرز لما تشهده بلداننا العربية عمومًا وبلدان دول مجلس التعاون بشكل خاص من توترات.

 قد يقول قائل إن التطرف طارئ وحالة عابرة، ولكننا نقول إنه قد يكون أيضا مقيمًا، فالأمر متوقف على قدرة هذا المجتمع أو ذاك على معالجة هذه الظاهرة واجتثاثها من عروقها، وعلى إقامة مصدات في السيرورة الوطنية تبرز بشكل خاص في المؤسسات التربوية التي تُعدُّ بهذا المعنى درع المجتمع الأول الحامي لقيم المواطنة والديمقراطية والتسامح والوسطية التي نعرف جميعا أنها متى تحولت إلى عقلية جمعية فإن ذلك يعني بالضرورة المنطقية أن لا مكان للتطرف أو التعصب للرأي في مجتمع كهذا.

 إن التطرف كالورم السرطاني لا يتجلى في أي مجتمع إنساني إلا ليكون سيفًا مسلطًا على توازن الجسم الاجتماعي، وعلى التقدم والحرية، ويكون تمام ذلك خاصة عندما تتخاذل المؤسسات المعنية بالتربية عن القيام بدورها الريادي في تعزيز قيمة التسامح وتثبيت قيمة الحوار ثقافة بين الناس يلجؤون إليها عند الاختلاف. عندما تنجح هذه المؤسسات في إرساء قواعد هذين الركنين في المجتمع فإن التطرف يتهاوى في المجتمع ويندحر مهزومًا، أو يتخلى عن التجلي خطابًا لفظيًا ليظهر في صورة سلوك عنيف نسميه بإجماع العقلاء إرهابًا. وذو الإرهاب هو الذي يعصف بكثير من المجتمعات العربية، وينقض على الدول لتفتيت كيانها. ولقد أصاب شرر مثل هذا الإرهاب مجتمعنا البحريني وتجرع ويلاته وابتُلي بمحنه من خلال أيادِ آثمة من المتطرفين المذهبيين الموالين لقوى مثيلة لها تقبع على الضفة الشرقية من الخليج العربي.

 نقيض التطرف، على ما تجود به اللغة والحكمة أيضًا، هو الاعتدال والوسطية. فإذًا المنطق، في هذه الحالة، يقول إن الاعتدال يفتح الآفاق واسعة، ويُعاظم الآمال لتنمية المجتمعات وتطورها. التطرف يبني بيئته الاجتماعية التي يتنزل فيها وينمو ويترعرع، ويزداد تأصلًا وتجذرًا في المجتمعات بتزايد وتيرة المغالاة والمبالغة في محاربته، أما الاعتدال فتبنى له بيئة وسطية ملائمة يتلقى فيها الرعاية لكي ينمو ويتطور وتبدأ أسس بنائه في المنزل أولًا على مدى السنوات الخمس التي تسبق دخول الطفل المدرسة، ومن ثم يأتي دور المدرسة لترسيخ ما أُسِّس في البيئة الأسرية عبر التربية الوالدية، وليكون لها بالتالي الدور الفعال والمساهمة البنائية في توجيه سلوكات الطفل وتثقيفها وإغناء معارفه وإثرائها بما يفتح أمام الفكر الخلاق والعقل البحاث آفاقًا أرحب تكون بها قيم العيش معًا عمودًا كيانيًا من أعمدة شخصية الطفل. ولهذا يواجه العمل على تثبيت بيئة الوسطية والاعتدال صعوبة في مقاومة التطرف، ولكن الأمر ليس مستحيلا بدليل وجود مجتمعات إنسانية في الشرق والغرب يسود فيها الاعتدال ويحتكم إليه أفرادها سلوكًا اجتماعيًا يعبرون به مخاطر التطرف وتبعاته الكارثية. في هذا المجال لعله من المناسب أن نشير إلى جهود وزارة التربية والتعليم المبذولة لمحاصرة التطرف من خلال غرس قيم التسامح والحوار ونبذ العنف والكراهية؛ حيث الشواهد كثيرة. أحد هذه الشواهد وأوضحها وأكثرها صيتًا محليًا وإقليميًا ودوليًا، المدارس المعززة للمواطنة.

 حول التطرف تنعقد يوم غدِ السبت حلقة نقاشية لمؤتمر بعنوان «مستويات وعوامل التطرف لدى الناشئة في المجتمع العربي». المؤتمر مهم في توقيته، وفي نبرة عنوانه الذي يمكن أن يستشرف منه الفرد عملًا جبارًا يقود المؤتمرين إلى وضع الحلول الناجعة لمحاصرة التطرف وقطع الطريق عن مروجي فكرته وداعمي بيئته، وإلى تأكيد أدوار المؤسسات التربوية جميعها في التصدي لهذا الطاعون الجارف الذي لو قُدر له أن ينتصر فلن نشهد إلا عهودًا جديدة من عهود الظلمات تذهب بما لنا من أمل في يقظة عربية تحمل المدرسة لواءها. 

 لعلنا لا نأتي بجديد إذا قلنا إنه يقع على الأسرة ومن ثم المدرسة العبء الأكبر في التصدي لظاهرة العنف. لكن هل لمن لديهم أجندات سياسية مذهبية أن يدعوا هذين الإطارين يقومان بوظيفتهما تجاه المجتمع؟ طبعًا لا، ولن يستكين من وضع نصب عينيه السلطة السياسية هدفًا إلا بإلحاق الأذى بالمدرسة والأسرة معا. أما إيذاء المدرسة في هذا الباب فمنفذه تفعيل المنهج الخفي وإعماله في هتك قيم التسامح والحوار والوسطية وترسيخ علوية الرأي الواحد. أما إيذاء الأسرة فيكون من خلال خلق تبعيتها للرجل الذي يكون في المجتمع، في الغالب الأعم، منتميًا أو سياسيًا بنفحات تديّن تسوقه سوقًا إلى إعلان تطرفه وتعصبه للمذهب الذي ينتمي إليه في ظل الاستقطاب العميق في المجتمع العربي والتذرع بتعلات وشعارات تكاد تُذكرنا بصراع قابيل وهابيل لفرط قدامة مرجعياتها وتشبثها بإحياء كل نعرات التقسيم والتفتين والتفتيت. 

 فإذا كان بالأمس يقال إن أحد مصادر انتقال السلوك العنيف إلى الناشئة الألعاب والأفلام التي يظهر العنف فيها كأحد محركات دراما الأكشن، فإني أقول بأن مثل هذا الكلام بات كلامًا غير ذي معنى في ظل تنامي الكراهية بين بني البشر على أساس الدين والمذهب والعرق. إن مزيدًا من التركيز على المنابر الدينية وعلى الإعلام بمختلف أدواته ووسائله ضرورة الضرورات إذا ما أردنا محاربة التطرف وإفرازاته المفضية إلى الإرهاب. الإرهاب آفة العصر، وأساس الإرهاب هو التطرف بمختلف تجلياته الاجتماعية والسياسية والثقافية.

 الكراهية هي المعنى الآخر للتطرف. فإذا ما كان الفرد متطرفًا في الدفاع عن رأيه فهو بالتأكيد كاره للمختلف معه. هذا ما وددت أن أطرحه عشية المؤتمر، متمنيا له النجاح من كل قلبي ناقلًا أبياتًا وجدتها تخدم مقاصد المقال وأردتها دعوة مني إلى الحب والتسامح ونبذا للتعصب وآثامه:

أيقظ شعورك بالمحبة إن غفا لولا الشعور الناس كانوا كالدمى

أحبب فيغدو الكوخ قصرا نيرا وابغض فيمسي الكون سجنا مظلما.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا