النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

غسيل الأموال من جديد

رابط مختصر
العدد 10220 الأحد 2 ابريل 2017 الموافق 5 رجب 1438

تناقلت مواقع المحطات الفضائية الرئيسة (بي بي سي، سي إن إن،... إلخ) الإلكترونية تفاصيل فضيحة غسيل أموال جديدة انطلقت من موسكو، وتناقلت تلك المواقع محتويات «تقارير من وثائق مسربة أن بعض أكبر البنوك في العالم تعاملت مع مئات الملايين من الدولارات من عملية غسل أموال روسية واسعة النطاق. وتظهر البيانات أن البنوك الأمريكية الكبرى... تعاملت مع أموال من ذلك المخطط، إلى جانب إجراء بنوك عالمية معاملات مالية ذات صلة بمخطط غسيل الأموال الروسي».

وأشارت تلك التقارير إلى حصول «مؤسسة مكافحة الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP) والصحيفة الروسية (نوفايا غازيتا) على الوثائق المصرفية الداخلية من مصادر مجهولة. وذكرت صحيفة (الغارديان) البريطانية، أن البنوك البريطانية قامت بتحويل 740 مليون دولار كجزء من المخطط. وتُظهر الوثائق المصرفية تفاصيل ما يقرب من 70 ألف معاملة تم إجراؤها بين عامي 2011 و2014».

وتعترف روسيا بتفشي جرائم غسيل الأموال في صلب مكونات أسواقها، إذ تشكو تقارير من بينها ما صدر عن وزارة المالية الروسية، من أن هناك ما يزيد على «1.6 ألف جريمة غسيل أموال في المجال النقدي سجلت في النصف الأول من العام 2009. ووفقاً لهذا التقرير فإن عدد الانتهاكات للتشريعات المتعلقة بغسيل الأموال في المجال المالي تخطى عمليات غسيل الأموال المتعلقة بالسوق الاستهلاكية التي وصلت إلى 1.3 ألف جريمة». 

يحدث هذا اليوم، وبعلم الكثير من السلطات في دول وقعت على مواثيق دولية تحرم هذه التجارة وتتبنى قوانين صارمة ضد من يمارسها، سواء كان ذلك الذي يقف وراءها دولة أو مؤسسة أو أفراد. فليس سرا حرص «معظم دول العالم، وبالذات الدول المتقدمة، على اصدار تشريعات خاصة لمحاربة غسيل الاموال بعد ان تبنت مبادئ لجنة بازل المشرفة على متابعة غسيل الاموال عام 1988. كما تبنت الامم المتحدة ميثاق محاربة التحركات غير الشرعية في تجارة المخدرات والعقاقير المخدرة (ميثاق فيينا) لعام 1988. هذا بالإضافة الى انشاء لجنة مالية لمكافحة غسيل الاموال خلال قمة الدول الصناعية في باريس عام 1989. وقد وضعت هذه اللجنة التوصيات الاربعين عام 1990 التي عدلت عام 1996 لتنسيق وتنفيذ قوانين غسيل الاموال في المراكز المالية العالمية، فضلا عن العمل كذلك بما جاء في ميثاق فيينا».

وبخلاف ما يتوهم البعض فإن منطلقات محاربة عصابات غسيل الأموال أو تبييضها كما يطلق عليها البعض، ليست أخلاقية فحسب، بل هناك دافع اقتصادي يحث الدول على التصدي لمثل هذه المعاملات. 

نفهم ذلك عندما ندرك حجم الأموال المغسولة التي يتم نقلها وتهريبها، والنسبة التي تشكلها مقارنة مع الدخل القومي لمجموعة من الدول الغنية والمتقدمة. فوفقا لأرقام منظمة (FATF

 (Force Task Financial Action وهي منظمه عالمية متخصصة في مجال مكافحة غسيل الاموال يبلغ حجم «ما يتم غسله من الاموال المحصلة من مختلف انواع الانشطة والاعمال غير القانونية حول العالم (استنادا الى تقديرات صندوق النقد الدولي انها بين 2% - 5% من اجمالي الدخل القومي العالمي)، أي يتراوح بصورة تقريبية، بين 590 مليارا – 1.5 تريليون دولار سنويا من واقع احصائيات عام 1996، حيث يمثل هذا الرقم اجمالي الميزانيات السنوية لنحو 30 او 40 دولة صغيرة تقريبا ويكفي لسداد اكثر من نصف ديون دول العالم الثالث». على نحو موازٍ قدرت بعض المؤسسات المالية «حجم الاموال المغسولة سنويا بين 800 مليار – 1.5 ترليون دولار حيث يعادل هذا المبلغ ضعف الانتاج النفطي العالمي». 

هذا من حيث الحجم، أما على صعيد التشوهات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تتركها عمليات تبييض الأموال على اقتصادات الدول التي تتفشى فيها، او تلك التي تتلقى الأموال المهربة لتبييضها، فهناك الكثير من الكتابات التفصيلية الموثقة التي تسلط الأضواء على تلك الآثار السلبية، من بينها دراسة نشرها على الإنترنت الكاتب نور الدين عبد الباقي المهدي، شخص فيها مجموعة من الظواهر السلبية أشار فيها إلى إنه على المستوى الاقتصادي يقود «نجاح تسرب الأموال المغسولة إلى الاقتصاد القومي إلى حدوث تشوه في نمط الإنفاق والاستهلاك مما يؤدي إلى نقص في المدخرات اللازمة للاستثمار، وبالتالي حرمان النشاطات الاقتصادية المهمة من الاستثمار النافع، (مضيفا إلى أن ذلك يؤدي أيضا) إلى زيادة العجز في ميزان المدفوعات وحدوث أزمة سيولة في النقد الأجنبي مما يهدد الاحتياجات في العملات المدخرة من الدولار الأمريكي والعملات المدخرة». 

أما على المستوى الاجتماعي، فيحذر المهدي من أن غسيل الأموال يفضي «إلى حدوث خلل في توزيع الدخل القومي وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء (محدودي الدخل في المجتمع) مما يؤدي بدوره إلى عدم وجود استقرار اجتماعي مع إمكانية وجود صراع طبقي وأعمال عنف، (محذرا من) أن تسرب الأموال المغسولة إلى الاقتصاد القومي للدولة يمكن أن يؤدي بالحكومة لفرض ضرائب جديدة أو زيادة معدلات الضرائب المالية من أجل تغطية الفجوة بين الموارد المتاحة واحتياجات الاستثمار القومي بعد تهريب الأموال إلى الخارج وهو يعني زيادة الأعباء على أصحاب الدخل المشروع في المجتمع». 

ويمضي المهدي معرجا على الجوانب السياسية التي تولدها أنشطة تبييض الأموال فيؤكد على أنها «تؤدي إلى تشويه المناخ الديمقراطي في المجتمع.. حيث يصعد أصحاب الدخول غير المشروعة في مقاعد البرلمان والمجالس الشعبية واتحادات التجارة والصناعة وتعلو نجومهم إعلامياً في جميع وسائل الإعلام ولكنهم يعمدون استثمار ذلك لدعم وجودهم في مزاولة الأنشطة الإجرامية والاستفادة فيما ينتج عنها من ثمار مالية».

جرائم تبييض الأموال تطل بوجهها القبيح من جديد في صور جديدة وعبر قنوات مختلفة لكنها تحافظ، كما أشرنا، على دورها المدمر على الصعد كافة: الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، رغم كل الاحتياطات المتخذة للحد من أنشطتها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا