النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11026 الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

تأنيب ضمير مضطرب

رابط مختصر
العدد 10137 الإثنين 9 يناير 2017 الموافق 11 ربيع الآخر 1438

كان أوباما وهو يحلق نحو هيروشيما في مايو الماضي يتذكر عناوين زمن لم يولد فيه، رئيس الولايات المتحدة وهو يودع البيت الابيض قرأ في التاريخ والقانون والسياسة جيدا وحفظ ما هو مهم استخدامه في جولاته الدبلوماسية كرئيس دولة عظمى، ففي مايو من عام 2016 توقع اليابانيون ان يعتذر الرئيس الامريكي لما حدث للشعب الياباني في مدينيتي هيروشيما ونجازاكي، ولكنهم اصيبوا بخيبة الامل من تلك الزيارة، فقد ضاعت المفردات الخطابية والحماسية المنددة ببشاعة الحرب وبأهمية بناء مجتمع عالمي جديد بعيد عن تلك الكوارث البشعة والحروب النووية،

 

وقيل الكثير عن اهمية العلاقة الثنائية بين اليابان والولايات المتحدة كحليف استرايجي في المحيط الباسيفيكي، فاذا ما كان اليابانيون رسميا في داخلهم مارسوا دبلوماسية المجاملة والبروتوكول المفترض على مضض، فإن الشعب الياباني برمته، والذي ما زالت تروع اجياله المتتالية مشاهد تلك المدينتين المنكوبتين، ولا يمكنه نسيان الدروس المدرسية بسهولة، ولا نسيان تلك الآلام العصيبة الموروثة من بشاعة القنبلتين النوويتين اللتين اسقطتا من جحيم السماء على رؤوس المدنيين العزل في تلك المدينتين، حيث كانت تجارب مختبرات مصانع السلاح تريد ان تختبر آخر منجزاتها العلمية في مجال التدمير للحم البشري وتدمير المدن والابنية وتشويه ملامح الانسان وهو في احشاء امه، يومها حاول المعلقون تفسير تلك الروح الانتقامية على انها رسالة للامبراطور وللامبراطورية اليابانية وشعبها على درس العدوان الياباني على القاعدة البحرية الامريكية في «بيرل هاربر» في هاواي، في 8 ديسمبر 1941، فكانت معزوفة اليابان البشعة مع بداية الحرب بينما خاتمة السيمفونية الامريكية الذرية جاءت مع خاتمة ونهاية الحرب العالمية الثانية،

 

وفعلا كانت بداية لنهاية مروعة شرب نخبها الاليم الشعبان فيما القادة والساسة في مكاتبهم اللامعة حاولوا التملص من فعلتهم بندم خجول متأخر لم ينجح في نزع فتيل متوتر طويل يغوص في تربة ذاكرة مرتعشة ببشاعة الموتى وارقامهم. حاول الشعبان بناء جسر ثقة وثقافة مستمدة من حكاية اوبرا «مدام بتر فلاي» المأساوية للموسيقار الايطالي بوسيني، وعلاقات انسانية متبادلة رغم دروس الكراهية في المدارس حول حكاية العدوانين فكل طرف كان يدّرس اطفاله من هو العدو الافتراضي والحقيقي ؟ وكيف ابيحت ارضه وسيادته المستكينة في غفلة وفي وضح النهار. الطرفان بعد اكثر من 75 سنة وقفوا امام الميكروفونات وإعلام عالمي مفتوح في فضاء كوني مرتبك لكي يعيدوا في مصالحة تاريخية متميزة ذاكرة معطوية وشبه معطلة وتأنيب ضمير مشلول حول جرح لم يندمل. 


لم يستطع اوباما الاعتذار لهيبة الامبراطورية العظمى المعاصرة، كما ان شنزو ايبى رئيس وزراء اليابان لم يكن قادرا على تجاوز خطوط الامبراطورية العظمى التوسعية والثرية، والتي قاتلت بضراوة في منطقة الباسفيك كنازية آسيوية جنبا الى جنب مع حليفتيها في اوربا ايطاليا الفاشية والمانيا النازية اللتين كانتا يومها تسعيان لهزيمة العالم برمته والسيطرة عليه. ظل الفليبنيون ودول شرق آسيا ردحا من الزمن ينظرون للياباني الغازي التوسعي على انه صاحب «الوجه البشع» ولم تنس ذاكرة نساء الفليبين في تلك الحقبة زرافات «النساء المحظيات / comfort woman» وهن يسحبن بقوة لمخادع الجنود والضباط في الثكنات كعاهرات من زمن الحرب، لتسلية جنود مخمورين يستلذون متعة الشبق الجنسي وساديته وبغرور الانتصارات السهلة المتاحة.


 لم يستطع شنزو آبى ازاحة تلك الغمامة السوداء الكريهة من ذاكرة التاريخ حتى وهو في طريقه الى النصب التذكاري في بيرل هاربر في هاواي بالتخلص من كابوس يطارده ويطارد ضميره المضطرب، ومع تلك الخيبة للشعوب التي انتظرت اعتذارا حارا، وكانت تتوقع زيارة الامبراطور الياباني بدلا من رئيس الوزارء، ومع ذلك اعتبرت الشعوب ان النظر للمستقبل وبناء حياة جديدة في العلاقات هو المهم، وبأن لا تتكرر مثل تلك العدوانية والحروب بين الدول هو بحد ذاته فضاء من الامل الجديد للشعوب، فالمهم ليس الاعتذار السياسي واللساني العابر بقدر ما هو ضروري تأنيب ضمير حي قائم افضل من ضمير ميت في تابوت مصقول لامع خشبه في بارك الزهور في مدينة كيوتو.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا