النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

الله يجازيك يا زمان

رابط مختصر
العدد 10078 الجمعة 11 نوفمبر 2016 الموافق 11 صفر 1438

 لا يخامرني شك في أن العنوان أعلاه سيترك انطباعًا أوليًا لديك، قارئي الكريم، بأنني بصدد الحديث عن شعر شعبي أبدع في نضد كلماته شاعرنا المرحوم عبدالرحمن رفيع، وفي أنك على الفور ستكمل بيت الشعر هذا بالقول: «مالك أمان الشعري الربعة بثمان». وإن كان ذلك ليس ما قصدت، فدعني أؤكد لك بأني لن أبتعد عن نطاق الحديث عن البحر بصفته خزانًا استراتيجيًا لأمننا الغذائي. وأن هذا الخزان أصبح تحت أيادٍ عابثة ألهاها الربح العاجل، وأعماها الثراء السريع عن أن تشعر بأن فعلها هذا إجرام بيئي يتهدد مستقبل الأجيال القادمة ويوقعه في خطر لا تعلم عواقبه.


 في هذا السياق تناولت وسائل التواصل الاجتماعي أحاديث كثيرة عن منع صيد الربيان، وخطأ طريقة صيده، وانتقل بها الحديث عن تأثير ذلك في أسعار الأسماك في العموم. وفي الحقيقة لم تستوقفني هذه الأحاديث، لأنها لم تثر لدي فضولاً في بادئ الأمر، ظنًا مني بأن ليس كل ما يتم تداوله بواسطة هذه الوسائل له مصداقية، شأنه شأن كثير من الإشاعات التي تصلنا بين الفينة والأخرى.
 غير أني بعد أن اطلعت في اليوم الثاني -يوم الاثنين الماضي- على مقالات الرأي في الصحافة وقرأت ثلاثًا من المقالات لكتّاب بحرينيين مرموقين ومشغولين بهموم المواطن، بالإضافة إلى التوضيح الذي نشرته وزارة الأشغال والبلديات بشأن منع صيد الربيان، فإن الأمر بدأ يأخذ عندي منحىً آخر في مسرى التفكير.

أن يتناول كتّاب رأي موضوعًا واحدًا في يوم واحد ففي هذا ما يشير إلى أمر مهم، وما ينبه إلى أن هناك قضية رأي عام مطروحة وينبغي أن تنال حظها من النقاش والحوار المفتوحين. لا ريب أن مسألة أسعار السمك باتت تمس جيب المواطن وتوازنات ميزانيته الأسرية، ولاشك في أن شحه يمس أمنه الغذائي، ومن ثم فلا ينبغي التأخر عن المشاركة في مثل هذا النقاش.


 الحديث عن صيد الأسماك بشكل عام وبيعه ذي شجون، خصوصًا لمن عايش فترات مختلفة وشهد ثبات الأسعار في مرحلة من حياته، وصعودها الصاروخي في مرحلة أخرى متأخرة منها، مع التسليم في تبدلات الأسعار الموسمية المعقولة بحكم تغيرات الطقس في الشتاء وحتى في الصيف ماضيًا وحاضرًا. في الماضي، على سبيل المثال، كان الشعري من أكثر الأسماك ثباتًا في سعره الرخيص حتى أتى الوقت الذي فيه نعى الشاعر عبدالرحمن رفيع هذا السعر ووثقه في بيت الشعر السالف ذكره. ولا لوم على المستهلك في الظن بأن في هذا الارتفاع في سعر الأسماك عمومًا شيئًا من المبالغة التي ينبغي البحث عن أسبابها.


 رحمك الله يا شاعرنا الكبير، فلم يكن يدر في خلد أحد أن يأتي يوم ويقفز فيه سعر كيلو سمك «الشعري» إلى أربعة دنانير كاملة عدًا ونقدًا، ولم يكن أحد يتصور أن الأسماك التي عهدنا أسعارها ثابتة بحكم وفرة الثروة البحرية البحرينية قد حل زمن نعي أسعارها القديمة والترحم عليها ترحمنا على أموات غادرونا بلا رجعة، ولعل أصدق مثال على ذلك صنف «الربيان»، إذ يتذكر الجيل الحالي أن سعر الربيان كان في أسوأ الأحوال يصل إلى أقل من دينار، ولم يكن في الماضي يصنف إلى أحجام كما يحدث اليوم معه ومع غيره من بعض الأسماك كالصافي.

التصنيف بحسب الأحجام جاء متأخرًا بعد تنامي هوس الإثراء السريع وفي ظني إنها طريقة احتيال برضى المستهلك في بيع السمك. فصائد الربيان يلقي بشباكه ليصطاد ما يصطاده من مختلف الأحجام. ولا أعرف إن كان هناك سبب آخر يدعو إلى بدعة التصنيف هذه غير تأويل بعيد يستمد مشروعيته من ممارسات المجمعات التجارية التي لا ينكر أحد تأثيرها في إيقاع الاستهلاك لدينا وفي فرض عادات تجارية جديدة ما كانت أبدًا في الحسبان.


 المهم أن مشكلة صيد الربيان وتأثيره في أسعار أصناف الأسماك الأخرى كانت تكبر أمام أعيننا ولا نعيرها انتباها معولين على أن خيرات البحر كثيرة ولن تنضب، والحال أن كل شيء يسرف في استهلاكه قابل للنفاد. لا نقول إن الحكومة أو الصيادين غير مدركين لهذه الحقيقة، لكن الآلية المعتمدة في تطبيق القوانين كانت غير واضحة. المشكلة كبرت وصار يعزى السبب الرئيس في تفاقمها إلى صيد الربيان الجائر. وعندما نقول الصيد الجائر فإننا نعني استخدام وسائل صيد ممنوعة مثل شباك الجر القاعية المعروفة محليًا بالكراف، كما ذكرت وزارة الأشغال والبلديات في توضيحها للجمهور.


 اليوم وقد بلغت المشكلة مبلغًا شديد الوطأة على المواطن وعلى مستقبل الأمن الغذائي، ما الذي يمكننا فعله؟ هل أن منع صيد الربيان لو اتخذ سيكون واقعيًا؟ أم أن ترك المشكلة لكي تحل بفعل معطيات البيئة البحرية كفيل بإخماد جذوة السؤال وإطفاء نيران الحيرة، علمًا بأني لست من المتحمسين لهذا الطرح، فهذا أمر لن يحدث؟ المشكلة الآن ليست في الربيان وإنما في تأثير صيد الربيان في توازن البيئة البحرية وفي أسعار السمك.


 في اعتقادي، أن منع صيد الربيان ليس بالحل المنطقي للمشكلة، ولا أعتقد أن المستهلك سيقبل بها بيسر، كما أن ترك المشكلة أيضا والتغافل عنها ليس سلوكًا مواطنيًا مسؤولاً، لأن في ذلك استنزافًا للمخزون الغذائي للبلد، واعتداءً صريحًا على حق الأجيال القادمة في التنعم بخيرات البحرين أرضها وجوها وبحرها، هذا فضلاً عن الأثر المباشر لهذه المشكلة في جيوب المواطنين، وصلاتها بفئة جديدة من صيادي السمك ممن يريدون الثروة بغير وجه حق. الحل العاجل في تصوري،

وإن كان ليس جذريًا، يكمن في مواصلة العمل بالمنع الموسمي مع تشديد الرقابة على وسائل الصيد المستخدمة، والعمل على استصدار تشريعات جديدة تغلظ العقوبة على المتجاوزين. أما الحل الآجل فقد يكون في الاهتمام بمسائل البيئة البحرية من زوايا متنوعة متعددة من بينها تشجيع البحث العلمي في هذا الميدان، وأعتقد أن العقل البحريني الذي أبدع ما به روض الطبيعة القاسية قادر على أن يستنبط حلولاً تجعل الأجيال القادمة تفخر بأن لها في الوطن حكومة رشيدة رعت بفضل سياستها البيئية وحرصها على البحث العلمي حقهم في التنعم بثروات البلاد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا