النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

الخريف.. مقدمة لذاكرة الشتاء

رابط مختصر
العدد 10078 الجمعة 11 نوفمبر 2016 الموافق 11 صفر 1438

وذاكرة الشتاء ستختلف عن ذاكرة هذا الزمن، وستعود بنا الصور إلى ذاكرة المطر في زمن «الخرير»، وهو تسرب ماء المطر وقطراته داخل تلك الغرف المتواضعة البسيطة طينية كانت أم من الخشب، تلك السُقوف التي تفتح مسارب للمطر تنطلق منها معزوفة طويلة تستمر ما عنَّ للمطر ان يستمر طوال الليل والنهار.
ولا نملك سوى بعض الأواني نصفُّها صفاً في أرضية عارية خالية، تتلقى قطرات المطر وهو يتسرب من سقوف ليست كالسقوف أبداً، وتمتلئ تلك الأواني بمياه الأمطار المتساقطة من كل السقوف، فجميع البيوت في ذلك الزمن كان الخرير بالنسبة إليها شيئاً اعتيادياً وربما كان جزءاً لا يتجزأ من موسم الشتاء والمطر، فلا أحد يسأل احداً إذا كان «بيتهم خرّ» من المطر، فهو أمر عادي تماماً ولا يثير فضولاً ولا سؤالاً.


ونخرج إلى الشوارع الترابية أثناء المطر نغتسل به اطفالاً، ونجري بأنشودة أو أهزوجة «زيده.. زيده وارحم عبيده» نتضرع فيها إلى المولى الكريم ان يستمر سقوط الأمطار دون ان نعير اهتماماً لما يجري لغرفنا وبيوتنا آنذاك في المطر، فالجميع كان يحب المطر ويتفاءل به ويفرح بنزوله.
لم نقرأ حينها السياب و«عيناك غابتا نخيل ساعة المطر»، لكننا كنا نقرأ سطور النشوة الأولى الطفولية مع المطر، فنخوض بلا تردد وبلا وجل، بل بفرح مشاغب في «لنقع»، وهي مستنقعات يتركها المطر في كل زاوية وطريق وتمتلئ الفرجان القديمة بالمستنقعات والطين ونخوض حتى الركب فيها، بل ونهرع للمساعدة لمن يحتاج من كبار السن لمساعدة في العبور واجتياز تلك المستنقعات الطينية، وكنا نلجأ إلى وضع بقايا «الطابوق» وسط «النقعة» حتى تستطيع النساء وكبار السن السير عليها دون ان تتلوث ملابسهم.


لكنه البرد ذلك الذي كان ينخر عظامنا الصغيرة في بيوت مفتوحة بلا حدود، فالفناء واسع مفتوح والغرف البسيطة ترتجف معنا من البرد ولاسيما في ليل الشتاء.
وكم كنا وكذلك الأهل بسطاء، لا يملكون ما يحمي من شدة البرد سوى «المنقلة أو الدوّة»، وهي إناء معدني بسيط يُملأ بالفحم ثم يشعلونه حتى يتحول جمراً لاهباً ويوضع وسط الغرفة للتدفئة، في وقت لم نعرف فيه المدفأة الكهربائية ولا المائية ولا الهوائية.
والحمد لله كثيرا ان حوادث الاختناق وقتها كانت شبه معدومة ربما لمعرفة الأهل بأصول تحضير الجمر.


وكانت بعض الأمهات تحمي أطفالهن الصغار بإلباسهم ثوبين أو ثلاثة من الثياب القديمة تحت الثوب الأصلي، فيتحول ذلك الطفل فجأةً إلى طفل سمين ثقيل الحركة، وهو الذي تركنا بالأمس رشيقا خفيفا.
إنه البرد القارس وانها الوسائل المعدومة لمقاومة البرد الذي لا يملك الأهل امامه الا اللجوء لوسائل ستبدو لنا الآن طريفة.
تلك ايام خلت وتلك أعوام مضت، لكنها منقوشة في ذاكرة العمر لجيل عاش تفاصيلها وتفاصيل شتائها ومطرها وبردها، فنعلم منها الكثير واختزن في وجدانه صوراً لزمن سيمفونية المطر وهو «يخر» داخل المنازل فيعزف، والاطفال وكذلك الكبار ينامون على تلك المعزوفة المطرية الشتائية المعتادة.
ومن يملك الآن شيئًا من ذاكرة المطر وقتها ستنتاب مع الذكرى، صور تتلوها صور لتوقظ الزمن الذي طواه النسيان في تلافيف ايامه واعوامه، وسنظل اطفالاً حين يسقط المطر فنهزج، «زيده.. زيده وارحم عبيده»...!!.
 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا