النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

صدق أوغلو!!

رابط مختصر
العدد 10076 الأربعاء 9 نوفمبر 2016 الموافق 9 صفر 1438

هوس الحديث عن المذهب، وعن ارتفاع أصوات المتحدثين به وعنه وعن ترويجه على حساب الهوية العربية الجامعة، صار الهاجس الذي يقلق المواطن العربي أينما وجد منذ بدء تدخل أركان حكم القهر الثيوقراطي الإيراني في الشؤون الداخلية للبلدان العربية واستثمارهم لأحداث «الربيع العربي» وتوجيهها بما يخدم مصالحهم السياسية الطائفية التي لا يخفى أمر تصديرها خارج الحدود بدءًا من دول الخليج العربي، منذ اليوم الأول الذي فيه صعدت إلى السلطة.
 وعند نقد المذهبية من أن تكون مظهرًا من مظاهر الحكم، والطائفية من أن تتسرب لتصبح مسلكًا اجتماعيًا وسياسيًا عامًا، يصعب تخطي العراق باعتباره البلد العربي الذي تحكم مفاصل قراراته ميليشيات مذهبية مدعومة من دولة لا ينكر أحد توجهاتها الطائفية المعلن عنها، وهي لا تتوانى عن تحريض الطائفة الشيعية الكريمة على الحكومات القائمة أينما وجدت في بلدان الخليج العربي، لتشكل خطرًا داهمًا ومتواصلاً، وتحديًا وجوديًا حاسمًا لدول مجلس التعاون الخليجي. وليس أدل على قبح نوايا هذه الميليشيا وسوء مقصدها من تمركزها على حدود المملكة العربية السعودية المتاخمة للعراق، هذه الدولة العربية الحاملة للواء الدفاع عن أمن وأمان الخليج العربي من أن يتلوث بالوجود الإيراني كما هو الحال الآن في العراق.
احتراب، إرهاب، أشلاء، دم، أنين، دموع، هكذا هي الأخبار تأتينا دائمًا من أرض السواد محملة بالفواجع منذ زمن طويل، وبالأخص منذ العام 2003. ومن المفارقات أن آخر ما قرأناه في الإعلام المقروء عن هذه البلاد العربية السعيدة بإسهاماتها الحضارية في تاريخ البشرية، هو أنها من أكثر البلدان حزنًا في العالم. ولا أخفيكم أني بمجرد أن فرغت من قراءة هذا الخبر غير المفاجئ استحضرت على الفور كابوسًا، وتخيلت فاصلة زمنية كاد فيها ينجح انقلابيو البحرين في تحويل جنتنا الهانئة بسلامها الاجتماعي إلى جحيم مشابه لما يمر به العراق فانقبضت أنفاسي، ولكني عدت إلى الحياة من جديد بعد أن أدركت أني تحت ضغط كابوس داهمني ساعة يقظة. ولعل هذا المقال يأتي في ذاته معبرًا عن حالة الهلع التي تنتابني مع كل لحظة من لحظات تعايشي مع هذا السيناريو الكارثي الفظيع.
 فبالقياس إلى كل مستوى من المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإلى حالة السلام المضطربة في المجتمع العراقي، وتكاثر بؤر الكراهية الآخذة بالتناسل في هذا البلد المنكوب بخطابات رجال دين وسياسة فاسدين لا هم لهم إلا مراكمة الامتيازات الشخصية وما فاض على ذلك يجير لصالح الطائفة، فإن العراق اليوم لم يعد نفسه قبل عام 2003. فحكومة عراق اليوم واهنة ضعيفة، ليس لديها القدرة على الدفاع عن أرضها، وليس لدى حكامه الجدد وازع من ضمير للمحافظة على إرثه الإسلامي والعربي. العراق اليوم يكاد يكون سراب دولة يصدق فيه وصف تشاوش أوغلو، وزير خارجية تركيا من خلال خطابه الموجه إلى رئيس وزرائها حيدر العبادي حين أراد تقمص دور الأبطال، بالقول: «أنت لست قادرًا حتى على محاربة منظمة إرهابية، أنت ضعيف، وبعد ذلك تحاول لعب دور الأقوياء».
 نقول ذلك حتى وإن زين لغير ذلك الأمريكان، أو من ركب ظهور دباباتهم وسرجها بسروج الطائفية الدينية ليرتقي سلطة الحكم فيها، وأسبغوا عليه صفات ليست من صفاته. ولا يظنن أحد أننا بذلك نعطي أفضلية لذاك النظام الذي كان قائمًا قبل عام 2003. وإنما أردنا أن نقول إن ذاك النظام وهذا لا يختلفان في شيء إلا في اختلاف الشخوص. رغم أن ذاك النظام كانت تحسب له هيبة لا يمتلكها هذا. فأي خزي، مثلاً، سيلحق بنوري المالكي الذي هتك بهيبة الدولة عندما استطاعت «داعش» أن تؤسس لدولتها الإسلامية على الأرض العراقية؟ وأي مكانة لحكومة حيدر العبادي اليوم في تاريخ حكومات العراق المتعاقبة، بعد أن طلبت من قاسم سليماني، قائد فيلق القدس قيادة الحشد الشعبي غرب الموصل لتحريرها من تنظيم؟ واعيباه!
 أمريكا مازالت تكابر دفاعًا عن خياراتها المخطئة، وتسوق السم في الدسم، وتروج القول إن عراقًا ديمقراطيًا قد ولد، لتجد ثلة من الطائفيين تردد نفس الكلام لأنها المستفيد الأكبر مما حل بالعراق من خراب، أما الواقع فيقول إن عراقًا تابعًا لإيران قد تأسس، وإن عراقًا جديدًا طارد لأبنائه قد أنشئ. العراق الذي نتابع أخباره اليوم، والذي لم تسكت فيه أصوات الاستغاثة من المليشيات المذهبية، ومن الدواعش، ليس البلد المثالي الذي من أجله ضحى العراقيون. ولو قدر للعراقيين قراءة الغيب لعرفوا أن هذا هو النظام الذي سوف يسود في بلادهم، لما أقدموا على تغيير الحكم فيه، ولقالوا منطوق المثل البحريني «يود مينونك لا اييك أينن منه»، لأن هذا الطريق ليس الأمل وليس الرجاء الذي دفع هؤلاء العراقيين بأرواحهم من أجله وعرفوا أن هذا النظام الذي سوف يسود بلدهم لما أقدموا على تغييره. أجمعت قوى العراق على إزاحة نظام دكتاتوري ليخلفه نظام ديمقراطي. فهل أن حزب الدعوة أو تلك الأحزاب الثيوقراطية الأخرى تعد أحزابًا ديمقراطية؟!
 العراق الذي توخى الشعب العراقي بمكوناته تغييره قد تغير فعلاً، ولكن أي تغيير هذا الذي دمر البلاد وشوه تاريخ ثقافته وحضارته؟ إن هذا التغيير بكل الشواهد والمعطيات المرصودة ما هو إلا تغيير إلى الأسوأ. التغيير الذي نتج عنه لا يعدو أن يكون غير استبعاد لدكتاتور وإحلال لنظام آخر غارق في جاهليته المذهبية ليس إلا. هو تغيير قضى على الدولة وأنشأ عصبيات طائفية وقبلية محلها.
 إن العراق الذي عرفناه على مدى التاريخ ليس هو الذي نشهده اليوم، لم يعد هذا العراق عربيًا إلا بمكوناته الاجتماعية المغلوبة على أمرها، لم يعد عربيًا إلا بكيانيته العربية المتجذرة في ثقافة شعبه، لم يعد عربيًا إلا برغبة جامحة في أن يتشبث بما بقي من أرضه رافضًا مغادرتها. لم يعد أمام العراقي غير الحديث عن السياسة التي تسير وقائع يومياته، وهي اليوم -ولعلي لا أجرحكم بما آلت إليه الأمور- رهن صناع حيثياتها من خارج السياق العربي، إنها تحاك في قم وطهران. أحقًا هذا هو التغيير المرتجى والمأمول؟ سؤال إجابته عند الشعب العراقي، وليس حكامه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا