النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11087 السبت 17 أغسطس 2019 الموافق 16 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:13PM
  • العشاء
    7:43PM

كتاب الايام

مهرجان التجريبي.. اختبار التلقي مجددًا..

رابط مختصر
العدد 10061 الثلاثاء 25 أكتوبر 2016 الموافق 24 محرم 1438

التلقي في المسرح باختصار أشد، هو أن تسلم وتمنح ذاتك للعرض المسرحي الذي قصدت مشاهدته، دون أن تلقي بجهوزية معرفتك وخبرتك المسرحيتين على ظلال هذا العرض قبل أن تشاهده ولحظة مشاهدتك له وأثنائها.
إنك بهذه النوايا المتعجلة المكابرة، سترى حتمًا عرضًا آخر غير الذي قصدته، أو ربما سترى العرض الذي رسمته وشكلته رؤيتك الذاتية وفق عرض رأيته سابقًا، أو عرض هو من قبيل تجاربك المسرحية الخاصة، خاصة ما إذا راحت مخيلتك بعيدًا، فعقدت مقارنة غير منصفة وربما مجحفة، بين العرض الذي تراه والعرض الذي قدمته أنت شخصيًا، أو قدمه أحد من شاهدت تجارب مسرحية مماثلة في تصديها للعرض الذي قصدته، إخراجيًا أو نصيًا.
لنسترخي قليلاً ونحن نشاهد أي عرض، خاصة العرض الذي يحمل في أحشائه أجنة الخلق والبحث والرؤية والرؤيا، والذي يتربص ذاكرتنا ومخيلتنا عبر أسئلة مقلقة لم نطرق أبوابها بعد، والتي تبدو للبعض سهلة وعابرة ولا تحتاج إلى تفكير أو إعمال ذهن، ذلك أنه اعتاد من خلال تجاربه المسرحية، ومن خلال عادة التلقي الجاهزة لديه والمحشورة باستمرار في محفظة جيبه، الوصول إلى النتائج والإجابات المغلقة والمسردنة، دون قليل جهد أو تفكير أو تساؤل.
التلقي في المسرح أشبه بالورطة التي تلازمك في كل لحظة تنوي فيها مشاهدة عرض جديد، أو قراءة رؤية مختلفة ومغايرة، إذ من خلال هذا التلقي، ستتكشف لك وأمامك وأنت مسلم ذاتك للعرض، أمور وقضايا وزوايا ورؤى، غالبًا لم تكن في حسبان تلقيك، وستجد أمامك فخاخ وشراك محمودة أحيانًا في اصطيادها إياك، وأحيانًا مقلقة إلى درجة ودون أن تشعر بذلك، تحاول اختبار ممكناتك الجسدية والنفسية والمعنوية، في كيفية تخطيها أو الوقوف عليها بوصفها حالة محيرة وقابلة للتأمل.
إن مثل هذه النوعية من العروض، ينبغي أن نسأل أنفسنا ونحن نشاهدها: ما هي الرؤية التي اتكأ عليها المتصدي لها، أو المحاور لتلافيفها المركبة والملبسة أحيانًا؟ وكم من الوقت قضى صاحبها للبحث في دقائق تكوينها وتشكيلها الفلسفيين والجماليين؟ هل هي تجارب تنتمي لاتجاهات مسرحية راكزة ومؤثرة عناصر خلقها في خارطتنا المسرحية، أم هي في حد ذاتها اتجاه جديد يتخلق في عالمنا المسرحي؟ هل تلقينا قبلاً عروضًا شبيهة لها، أم هي عروض لا شبيه لها؟ كيف نتلقاها؟ كيف نقرؤها؟ كيف نتمكن من إلغاء إرثنا التقليدي والجاهز والنتائجي والمتعجل، أثناء تلقيها، لنصبح متلقين جدد نخوض غمار المختلف والمغاير والشائك، لنكون مساهمين في نهاية العرض في خلق تجربة مسرحية جديدة وخلق تلق جديد أيضا؟
لا تنتظر وأنت في حومة المهرجان، أن تكون كل العروض قد فصلت بمقاس ثوب تلقيك، فقد تكتشف بعد نهايته، أنك كنت حقًا في مختبر التلقي المسرحي من خلال مشاهدتك لعروضه، وأنك قد أعدت النظر في الكثير مما يعتور ذائقتك ويعزز رسوخها التقليدي البالي والجامد والبليد والبائس فيها.
فشكرًا لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي في دورته الـ23، كونه استقطبنا لاختبار تلقينا من جديد بعد غياب ست سنوات، نحتاج معها أن نتأمل الفراغ الذي تركه هذا الغياب على حاسة التلقي لدينا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا