النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10906 الأحد 17 فبراير 2019 الموافق 12 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:54AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

إلى الوالدة شيخة بنت علي بن راشد بن حمدان.. خالص الوفاء

رابط مختصر
العدد 10005 الثلاثاء 30 أغسطس 2016 الموافق 27 ذي القعدة 1437

هي شيخه بنت علي بن راشد بن حمدان، قلب يكتنز أجمل وأنفس معاني ودلالات الحب والحنو والتسامح، هي التي كلما ضمتني وأخواتي في مجلسها، شعرنا بأن هذا المجلس أكبر حضن يحتوي بدفئه أجمل وأرق ما في العالم من حنان، وبأننا لم نزل أطفالا وكلما كبرنا ازدادت طفولتنا تعلقا بها وبحضنها الدافئ وكما لو أنها تجدد بحنوها الفائق فينا فيض الطفولة كلما تحلقنا حولها كل مساء، كل مناسبة، كل يوم، حتى بعد أن داهمها المرض، ظلت تقاومه بذاكرة تستحضر ماضياً تأنس له وتألفه ولا يستطيع هذا المرض غور أسباب استمراره وتألقه في ذاكرتها..
عندما أسلمت أم يوسف روحها إلى بارئها، تأملت كل جارحة فيها، فلم أجد غير أن في كل هذه الجوارح معان لتاريخ أبى أن يغادر أجمل وأعمق ما غرفته من ينابيعه..
هذي التي لا تنسى من ربّتهم ورعتهم وعايشتهم منذ تاريخ أجدادها، ومنحتهم من قلبها حنوا وحبا لا يقل في فيضه النبيل عن حنوها وحبها لأبنائها..
هذي التي لا تنسى جميل من وقف معها في أيسر الظروف وأصعبها..
هذي التي تعلي من شأن من أحبها وتمنحه من القلب حبا لا يقل عن حبها لأبنائها..
شيخه بنت علي بن راشد بن حمدان.. عندما تذكرها، تتذكر أزقة وأحياء وشيوخ وأعيان وأهالي الرفاعين والزلاق والصخير والمحرق إبان فترة من تاريخ الحكم، تتذكر المساحة الواسعة والشاسعة الحميمة التي كانت تتملكها في التواصل مع الناس، وكم كونت بهذه العلاقات الإنسانية البسيطة والعميقة، عالما واسعا ظل مستمرا وفاعلا ومؤثرا في حياة أبنائها وأحفادها حتى يومنا هذا..
هذا العالم جمع واختزل هذه العلاقات عندما استقر الحال بالوالدة أم يوسف في الرفاع، وكان بيت الجد علي بن راشد بن حمدان رحمه الله بجوار الديوان الملكي، وتحديدًا قرب قصر من منحت الوالدة ومن معها حبًا لا يضاهى، وهي الشيخه لطيفه بنت إبراهيم بن خالد بن علي آل خليفة (العنود)..
في هذا القصر وقربه، قطنت أسر من المحرق والرفاع والصخير، وكان له دور في توطيد العلاقات بين مدن وليس أحياء فحسب، كما أنه له دور في التواصل مع أسر كريمة من آل خليفة الكرام، ومن منطلق هذه العلاقات الحميمة، تشكلت لدى الوالدة قيم للولاء يصعب المساومة عليها..
هذه القيم ألقت بظلها عميقا على تربيتها لأبنائها، فالولاء أولا وأخيرا لمن وهب الوطن عمره وحافظ على قيمه النبيلة، وأمّن للحياة فيه أمنًا واستقرارًا، لذا عندما حدث ماحدث إبان محنة 2011 بقصد إسقاط النظام، كانت الوالدة رحمة الله عليها تقيم في عرش غرفتها عالما يتجسد في صور صدارة رموز الحكم في البلد وشاراتهم الذين لو قيّض لها في حينها لجعلتها لحافًا تسجي به جسدها قبل نومها، وكانت تقول: نار آل خليفة ولا جنة عدوانها، وأصبحت الوالدة حينها مهووسة بالحديث في شأن السياسة كما يبدو أكثر من السياسيين، ولا يهدأ لها بال أو نوم، إلا حين تشاهد كاتبنا الوطني الأصيل سعيد الحمد، يعرّي عورات وفضائح خونة الوطن..
نحن أبناؤها كنا نخشى عليها من هذا القلق الذي حول فسحة البيت المازحة إلى ساحة للحديث عن السياسة، وما كان من الأسرة أبناءً وأحفادًا إلا أن يسهموا ولو بنسبة ضئيلة من حجم هذا القلق الذي اعترى الوالدة أم يوسف رحمها الله..
آهٍ كم تجلّت الفرحة على وجهها وروحها، عندما رأت أمل الوطن خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر، بشموخه ووقاره المهيبين، في إحدى المناسبات الوطنية، وكيف ألقت بعباءتها أمام مقامه الكريم لتصبح سجادة تحمي قدميه الكريمتين من غائلة الطريق..
بيتها رحمة الله عليها، يظل ناقصًا دون حضور كل أفراد عائلتها، وإذا سافر أحد أو بعض الأبناء لسياحة أو مهمة عمل، تدعونا للاتصال بها وضرورة العودة إلى حجرها الدافئ بأقصى سرعة ممكنة، فالبيت بالنسبة لها مظلم ومهجور دون تواجد الكل بجانبها..
بالرغم من تقادم عمر والدتي الغاليه ام يوسف ، وحدها تظل زغردة الفرح في كل مناسبة تحتوي أفراد العائلة على الحب طفلة يافعة تحرك روح السعادة المؤجلة والمنسية أحيانا في قلوبنا ..
كنا نضحك ونسعد ونتحول أطفالا وشبابا عندما نسمع زغرداتها تملأ بهو القلب والروح ولا نكف عن أن نستثير فيها هذه الزغرودات كلما احتوتنا حولها في غرفة الحب ..
رحمك الله يا ام يوسف والهمنا الصبر على تحمل فرح يخلو من زغردة تنعش في قلوبنا فرحا فريدا ومحببا ..
آه يا التي تخشين علينا من أي عارض في الحياة، كيف نسيتِ أصعب العوارض مرارة في حياتنا، وهو فراقك عنا؟
وآه كم تحدثت جوارحك لحظة صمتك الاضطراري بسبب المرض، عندما أمرت قرينة درع جيش الوطن وملهم قوته وتماسكه، قرينة من أحببتِ ياوالدتي، بإسعاف حالتك الصحية الصعبة العصية بالسرعة الممكنة في المستشفى العسكري؟ ولكن قدر الله وما شاء فعل، وظلت صاحبة الوفاء أم محمد في كل جوارحك، رمزا للوفاء الذي لا يمكن أن ينساه أو يتجاهله إلا جاحد..
آهٍ يا التي كانت تمخر الشوارع قلقا علي عندما أتأخر ليلا في ألبا التأسيس وأنا طفل..
يا التي تخشى على عيني من عمى أو عشى ليلي بسبب نهمي للقراءة..
يا التي من شدة خوفها علي تغلق أبواب الظهيرة في وجهي..
يا التي تخشى علي من الطريق وأغداره أيام محنة 2011 وحتى لحظة إذا ألم بها المرض..
يا التي تقيم المعارك مع الجيران إذا آذاني أحد كبار الحي في جسدي..
يا التي تودعني أجمل النساء في الحي عندما أمرض ليسلينني بالحكايات التي تشحذ المخيلة والذاكرة معا..
 هذي التي احتضنتني طفلا شقيا وناشئا مشاغبا وشابا عنيدا ورجلا مختلفا..
اكتبيني يا أمي بأنك من كتب لي الحياة بعد الله..
رحم الله الوالدة الغالية أم يوسف.. ماذا سنكون من بعد فراقك؟
ثقي والدتنا الغالية.. باننا لسنا سوى أطفال يحْبون بعد، بحثا عن حنان لم ولن يعوض دونك..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا