النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

تهمة الطائفية!!

رابط مختصر
العدد 9943 الأربعاء 29 يونيو 2016 الموافق 24 رمضان 1437

 كتبت على الملأ في الصحافة وفي وسائل التواصل الاجتماعي مقالات كثيرة يتبادل فيها أصحابها تهمة ممارسة الطائفية، وليس في ذلك من عجب في حومة التنابز بالألقاب هذه التي طغت على السلوك الاجتماعي بعد وقائع الدوار اللعينة، وفي فورة ما نعايشه من أحداث كثيرا ما كان دخانها نابعا من نيران تشعلها طغمة من الطائفيين المنكرين مبادئ المواطنة والولاء الوطني وقيم العيش معًا ومقتضياتها. طبعًا هناك من مثل هذه الاتهامات ما يطلق على بعض الكتاب قصد بث روح الاحباط فيهم، وشيء من هذه الاتهامات يتخذ من البريد الإلكتروني «الإيميل» سبيله إلى الكاتب، أو من تغريدات «التويتر» وسيلة لإبلاغ التهمة ونشرها على الملأ وإن باسم مستعار. 


 في هذا السياق كان لي نصيب من هذا التنابز، إذ تسلمت رسالة قصيرة صادمة بحق جاءتني عبر بريدي الإلكتروني من مجهول أصدر في رسالته حكمًا عليّ بأنني طائفي والعياذ بالله! فضلاً عن تضمينه الرسالة سبابًا هو عندي مؤشر واضح على ما يحمله المرسل من ضغينة بعد أن صنّفني طائفيًا، وحصن تهمته لي بإسمنت طائفي مسلح جعلني أدرك أنه يقرأ ما أكتب ولكن بعيون ما يكره قراءته. أصدقكم القول رغم قسوة التهمة وما تضمنته من سباب أنه لم يكن يعنيني معرفة صاحب الرسالة ومرسلها، بل كان يكفيني أن أعلم أنه قارئ لما أكتب، أو أنه قد قرأ لي مقالاً على أقل تقدير وبنى في ضوئه موقفًا مني أو مما أكتب، وهذا في ذاته رغم قساوة التهمة يرضيني لأننا قد نجد في الكتابة والكتابة المضادة مجالاً لإدارة هامش الاختلاف بيننا، وهو أمر أعتقد أن جمعية «الوفاق»، المعلق نشاطها، بقيادتها الدينية والسياسية مع شقيقاتها في الهوى المذهبي والولاء للأجنبي لا تفقهه، لأنها اختارت نضال سد الشوارع والاعتداء على الممتلكات العامة وقلب نظام الحكم.


 فور قراءتي لما كتب إليّ تملكني مباشرة سؤالان اثنان، أولهما يتألف من شقين وهو: هل انطباع مرسل هذا «الإيميل» مبني على قراءة دائمة لما أكتب حتى استطاع إصدار مثل هذا الحكم، أم أن انطباعه اليقيني هذا متولد من قراءته لذاك المقال الذي كنت قد كتبته متناولاً فيه غلق جمعية «الوفاق»، وعنوانه «لنفتح معًا صفحة جديدة؟» والسؤال الثاني هو: هل هناك آخرون لديهم الانطباع ذاته، أي هل هم كثيرون الذين أتاحت لهم كتاباتي التقرير بأنني طائفي؟ السؤال الثاني أخافني حقيقة أكثر من الأول، لأن صفة الطائفية، في اعتقادي، من أكثر الصفات المسيئة لإنسانية الإنسان.


 أقول صدمتني الرسالة مجهولة الهوية، لأنني لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن أكون ضمن زمرة الطائفيين الذين هم دائمًا عرضة لتناولي في هذه المساحة، ووجودهم في الطائفتين واضح ولا يحتاج إلى كبير عناء لإثباته. الطائفية التي يتهمني بها أخونا أعدها مصيبة وطنية علينا مواجهتها مجتمعين وليس فرادى. في هذا المقال لا أصادر قناعة أخينا وآخرين غيره إن وجدوا ولكن احترامي لقناعته هذه لا يمنعني من الدفاع عن نفسي باعتبار أن الطائفية عيب إنساني على درجة عالية من التشوه الخلقي ينبغي علينا محاربتها، وقبل محاربتها علينا اكتشافها. وهذه هي المهمة الأصعب.


 كتبت كثيرًا منتقدًا جمعية «الوفاق» والجمعيات المذهبية الأخرى، وامتدت فترة كتاباتي حول ذلك أكثر من خمس عشرة سنة، وتكثفت بعد أحداث الدوار اللعينة التي أفرزت الطائفية بوضوح أكثر مما أفرزها برلمان 2006، ولم أستلم قط مثل هذا «الإيميل». بل بالعكس جاءتني كثير من الاتصالات ومن أخوة لي في الوطن لا أعرفهم، ينتمون إلى المذهبين الكريمين ومعظمها يثني على ما أكتب، وإن لم تخلُ اتصالاتهم تلك من إبداء وجهات نظر معارضة لما أكتب، وهذا أمر طبيعي، ولكن دائما كان ذلك ضمن أدب الحوار والمناقشة.


 بطبيعة الحال لن أحصل على إجابات عن تساؤلي الأول المركب، ولكني أذكره هنا خصيصًا لمن كتب لي الرسالة ليتمعن أكثر في ما أكتبه في المرات القادمة، آملاً أن يغير رأيه. أما السؤال الثاني والذي قلت إنه أخافني فيحتاج مني إلى توضيح لعلي أقلص، إن تعذر علي أن أنهي، أعداد من خلفت لديهم كتاباتي الانطباع ذاته الذي لدى أخينا السالف ذكره، والقاضي بأنني «طائفي» الهوى استحق منه ما حلا له من القذف!


 هناك فهم غير صحيح، وأعتقد أنه من زرع وحصاد الجمعيات المذهبية ورجال دينها الذين يتصدرهم عيسى قاسم، وهو أن انتقاد الجمعيات التي تشتغل في الشأن السياسي، وتناول خطابات رجال الدين بالنقد هو انتقاد للمذهب. وأعتقد أن غرس هذا الفهم وتكريسه عند عامة الناس وبسطائهم هو بهدف كبح النقد الداخلي الذي يمكن أن يصدر من أصحاب المذهب ذاتهم، وخلق حالة تأهب لديهم إزاء من ينتقدهم ليصفوه بالطائفي. وهذا ما ينطبق، في ظني، على أخينا صاحب الرسالة. ولا يظن أحد أن هذا الفهم مقتصر على المشتغلين بالسياسة من أصحاب المذهب الشيعي فحسب، وإنما هو حالة عامة لدى تيارات الإسلام السياسي من كل المذاهب.


 فهل الوقوف مع الدولة ودعم إجراءاتها الهادفة إلى بسط السيادة ضد من يعبث بالأمن والمتخابر مع الأجنبي، هو موقف طائفي إذا كان هذا المتخابر شيعيا أو سنيا؟ بالأمس أسقطت الجنسية من عيسى قاسم لأسباب ارتأى القضاء أنها مخلة بشروط اكتساب الجنسية، فهل أتغاضى عن خبر مثل هذا تحت ذريعة أن المسقطة جنسيته من الطائفة الشيعية الكريمة، مع كل ما أتاه من إساءة إلى البلد وإلى القيادة السياسية ومن ارتهان بالمشروع التوسعي الإيراني.

لا يمكن تجاوز فتواه، وهو من نعرف تأثيره في قطاع واسع من البسطاء والمراهقين والمؤدلجين، عندما أطلق دعوته الشهيرة «اسحقوهم» التي مازال الوطن يعاني منها. تلبية هذه الدعوة خلفت 613 تفجيرا بالقنابل و19 شهيدا و2235 مصابا. مثل هذه «الفتوى» التحريضية الغادرة بالوطن، الكارهة لاستقراره، المنفذة لأجندة إيرانية لايمكن السكوت عنها طلبا لسلامة عدم وصف المنتقد بالطائفي. قس على ذلك كل الأحداث المحزنة التي ألمت بالوطن من جمعية «الوفاق» و«حقوقيها» وإعلامها.


 لا ينبغي على الكاتب أن يؤثر سلامته على سلامة الوطن، وإلا انطبق عليه القول إن الساكت عن قول الحق شيطان أخرس. فلهذا، أخي مرسل الرسالة، قبل أن أعاهدك ومن في حكمك، أعاهد نفسي على أنْ أربأ بها عن الطائفية فكرًا وسلوكًا، وأعاهد وطني وقيادته السياسية على أن أبقى مدافعًا عنهم من وجهة النظر التي أراها صحيحة حتى لو كان ذلك يسبب لك شخصيًا بعض الألم. فالمصلحة العامة أبقى وأرسخ. هكذا ينبغي أن يكون الولاء لمنتم إلى وطن وفر له الأمن والكرامة وسبل العيش الكريم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا