النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

حين تغيب ثقافة السلم الأهلي

رابط مختصر
العدد 9919 الأحد 5 يونيو 2016 الموافق 29 شعبان 1437

من بين آخر الأخبار المهمة القادمة من اليمن المهمة، كان تصريح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذي أكد فيه على «إن مشاورات السلام اليمنية التي تستضيفها دولة الكويت تجري على أساس المبادرة الخليجية، وتطبيق مخرجات الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن الدولي، ووقف إطلاق النار وتسليم السلاح وعودة القيادة والحكومة الشرعية لليمن». وأبداه فيما ذهب إليه أشاد وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند الذي أشاد بالتقدم الذي تحرزه «مفاوضات السلام اليمنية في الكويت، معتبراً أن حل الأزمة في اليمن لا يمكن إلا أن يكون سياسياً، (مضيفا)، في اليمن تم إحراز تقدم في المفاوضات الصعبة المستمرة في الكويت منذ أكثر من شهر بين الحكومة اليمنية والحوثي، (مؤكدا) علينا جميعاً أن نواصل العمل من أجل تسوية. ليس ثمة بديل عسكري من تسوية سياسية في اليمن».


ليس الجبير هو الوحيد العربي الذي يبشر برفرفة حمامات السلام في سماء إحدى الساحات العربية الملتهبة، وليس هاموند هو المسؤول الدولي الاستثناء الذي يتفاءل بحل سلمي للمشكلة اليمنية المستعصية. فعلى مدى السنوات الثلاث الماضيات لم تتوقف عجلة كتابة مسودات مشروعات العمل من أجل استتباب الأمن في هذه الدولة العربية او تلك، ولم تتوقف معها أيضا مبادرات السلام العربية والدولية، التي تدعي ان مهمة الأطراف التي تقف وراءها وقف النزيف الدموي والوصول إلى حلول مشتركة بين الأطراف العربية المتنازعة، في هذا البلد أو ذاك.


كثيرة هي مشروعات التسوية العربية- العربية التي طرحت، وأكثرها تلك التي لم نسمع بها. لكن أيا منها لم يستطع أن يأخذ بعجلة سفينة المتحاربين نحو شطآن السلام التي يحلم بها مواطنو تلك الدول المتحاربة بين بعضها البعض، او بين حكوماتها والمعارضات التي تناوئها.


كثيرة أيضا الاجتهادات العربية التي توهمت انها نجحت في تشخيص أسباب اندلاع تلك الصدامات، لكنها فشلت في طرح الحلول، بل وحتى المسكنات. وليس هناك من دليل على ذلك الفشل أقوى من استمرارها بل واتساع نطاقها.


مما لا شك فيه أن الأسباب كثيرة ومتعددة، وبعضها تقف وراءه قوى خارجية، لكن ذلك لا ينبغي ان يعفي المصادر الداخلية من مسؤولياتها المباشرة عن اندلاع تلك الحروب واستمرارها، حتى تحولت إلى ما يشبه الظاهرة الطبيعية التي لا تثير الاستهجان، ولا تستدعي التوقف.


هناك أولا وقبل كل شيء غياب المنظمات والمؤسسات، التي تستمد شرعيتها من تمثيل صحيح متعارف عليه دوليا، ومن ثم تقع على عاتقها مهمات تنظيم حياة المواطن في البلاد العربية وفق تشريعات محددة وقوانين واضحة، تضمن لكل الأطراف حقوقها وتحملها واجباتها.


ويلي ذلك انه حتى في البلدان التي عرفت فيها تلك المنظمات شيئا من الحضور.

عملت قوى سياسية في طرفي معادلة المجتمع: السلطات والقوى المعارضة لها، على الا تمس تلك القوانين مصالحها او الامتيازات التي تتمتع بها، مادية تلك الامتيازات ام معنوية.


وبطبيعة الحال هناك القوى الخارجية عالمية كانت تلك القوى أم إقليمية والتي لها مصلحة مباشرة في عدم الاستقرار العربي الذي نتحدث عنه. فهناك علاقة تناسب طردية بين الضعف العربي وحماية مصالح تلك القوى. ففي أحضان استقرار المجتمعات العربية تنمو بذرة القوة العربية التي تشكل عنصر تنافس إن لم يكن تصارع مع القوى الخارجية او الإقليمية.


لكن لو افترضنا جدلا، وذلك من أجل تشخيص السبب الرئيس الذي يقف وراء الأزمة العربية الطاحنة، أننا جمدنا فعل هذه العوامل، الخارجية منها والداخلية، وأطلقنا العنان لواحد منها فقط، والذي هو ثقافة السلم الأهلي والقبول بالتعايش مع الآخر، وأفسحنا في المجال كي تنشط عناصر هذين المفهومين السياسية/الاجتماعية، فهل يمكن للاستقرار أن يأخذ طريقه نحو تلك المجتمعات التي باتت منهكة إلى درجة استعدادها للقبول بأي مشروع جاد يضع حدا للاقتتال، ويمهد الطريق أمام مرحلة من الاستقرار القادر على  إعادة الأمور إلى نصابها، والوصول إلى حل سلمي يرضي الأطراف المتصارعة كافة وينظم حسم الخلافات المحتدمة بينها بطرق بعيدة عن العنف؟


هذا المدخل السلمي لحل الصراع يقودنا نحو كلمة السر أو الكلمة السحرية لحل الصراع وهي التعايش السلمي، أو كما يسميه البعض القبول بالآخر المختلف معه. لكن مخاطر كلمة السر هذه تنطلق من مكامنها عندما تنتقل من سلوك حضاري ينغرس عميقا في أذهان ونفوس من يدعون الأخذ به، إلى مجرد شعارات دعاوية براقة تسعى لكسب الوقت أولا، وتعزيز نفوذ زائف ثانيا، وسحق الآخر، عوضا عن القبول به ثالثا وليس أخيرا.


فالمقصود بالسلم الأهلي المرتكز على قيم حضارية راسخة، هو كما يصفه الكاتب أحمد مبارك سالم «الرفض على الدوام لكل أشكال التقاتل، أو مجرد الدعوة إليه أو التحريض عليه، أو تبريره، أو نشر ثقافة تعتبر التصادم حتمياً بسبب جذورية التباين، والعمل على تحويل مفهوم الحق بالاختلاف إلى أيديولوجية الاختلاف والتنظير لها ونشرها. ويعتبر أيضا إعادة إنتاج لحرب أهلية التشكيك في جوهر البناء الدستوري ومواثيقه وحظوظ نجاحه في الإدارة الديمقراطية للتنوع. ويعني السلم الأهلي الدائم إيجاباً العمل على منع الحرب الأهلية في المجتمع».


وهو الذي، كما تقول عنه الكاتبة ريتا عيد «رفض وحظر أي خطابات إعلامية محرضة على العنف او تشجعه او تسعى إلى تحويل الاختلاف الفكري او العقائدي الى صدام دموي، لذلك لا بد من محاربة خطابات الاعلام وممارسته المحرضة على العنف او الاقتتال الاهلي ورفض الاخر واقصائه بما قد يهدد تماسك المجتمع ويؤثر بشكل مباشر في استقرار أمنه».


تأسيسا على ذلك، علينا ان نتوقع انه حين تغيب ثقافة السلم الأهلي، من الصعب إن لم يكن من الاستحالة حتى مجرد الحلم بسلام عربي، ومن ثم نواصل السباحة في مستنقع الاقتتال الأهلي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا