النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

مجلــــس النـــــواب: شــــكرًا

رابط مختصر
العدد 9908 الأربعاء 25 مايو 2016 الموافق 18 شعبان 1437

 أعود في مقدمة مقالي هذا إلى الحديث بشكل سريع عن مجلس النواب مثنيا عليه هذه المرة تمريره مشرووع قانون يمنع من يعتلون المنبر الديني من الانضمام للجمعيات السياسية. شخصيًا لا شك يراودني من أن لهذا المنع تأثيره الإيجابي السريع على الحياة السياسية وعلى وحدة النسيج الاجتماعي. بعد يومين من نشري المقال الذي أسلفت طالعتنا صحف يوم الأربعاء الموافق 18 مايو بالعنوان الآتي: «النواب يمنعون من يعتلي المنبر الديني من الانضمام للجمعيات السياسية». الحقيقة أن هذا الخبر أثلج صدري فهو يقترب من معنى فصل الدين عن السياسة، كما أن ذلك يعني فضا دستوريا للاشتباك بين الديني والدنيوي ووفاء قانونيًا لروح ميثاق العمل الوطني الذي وُضعت به اللبنات الأولى لدولة المواطنة وحقوق الإنسان.


لا أذيع سرًا قارئي الكريم بأني من المؤمنين أشد الإيمان بأن الجمع بين المنبر الديني والعمل السياسي من خلال تكتلات حزبية هو الذي أنتج أبلغ الأخطار وأفرز أسوأ النتائج في مسار التطور السياسي والاجتماعي في البحرين؛ لأن مثل هذا الجمع يكرس لخصومات سياسية لا تقبل الحوار مبدءا لحسمها، كما أنه يُعمق الاختلافات المذهبية ويفضي إلى قطيعة. ولعل الخط الجديد الذي تبناه حزب النهضة التونسي بفصله العمل السياسي عن العمل الدعوي –حتى وإننا لم نتأكد بعد من جدية هذا الطرح– لهو مما يُعطي الدليل على أهمية مثل هذا المنع الذي جاء في صيغة القرار الذي صوت عليه مجلس النواب. باختصار، النواب يستحقون الشكر والتقدير بسبب توصلهم إلى أصل الداء في الحياة السياسية ووقوفهم على أن المنع هو الدواء.


إن انعكاسات الجمع بين المنبر الديني والعمل السياسي على المجتمع البحريني واضحة جلية. ولعل هذا الوضوح تبدى منذ وصول الإسلام السياسي إلى سدة الحكم في إيران. لماذا؟ لأن تيار الإسلام السياسي عامة والشيعي خاصة، مذاك، نشط على جبهتين، الجبهة السياسية؛ إذ وضعت السلطة السياسية نصب أعينها وعملت في الخفاء والعلن على بلوغ هذه السلطة وتملك زمامها. كما نشطت على الجبهة الاجتماعية وأحدثت تمزقات خطيرة في النسيج الاجتماعي وخصوصا في المجتمعات التي تتعدد فيها الديانات والمذاهب، ومجتمعنا البحريني واحد من هذه المجتمعات المتعددة الديانات والمذاهب. وقد تجلت ذروة هذا الانعكاس في الأحداث الخطيرة التي شهدتها البحرين في فبراير 2011.


 اختلفت ردود الأفعال حول هذا القانون فمنهم من أيد إقراره، وأنا واحد منهم، ومن هم من عارض مفسرا ذلك على أنه يتقصد مجموعة من رجال الدين دون غيرهم. وبحسب ما لمح له هذا البعض، فإننا يمكن معرفتهم، وهم أولئك الذين عاثوا تحريضا على الدولة، وانغمسوا في خيانة وطنهم إرضاء لمذهبيتهم الفاقعة. وإذا ما أخذنا مثالا واحدا يوضح رأي المعارضين لهذا القانون فإننا نحيل على قراءة ما كتبه أحدهم منتقدا هذا القانون. فمن ضمن قول كثير أراد به الطعن في مشروعية هذا القانون، قال: «هناك رجل دين، يعيش مهمشا في الظل، مغمورا في الظلام، لا يزور ولا يُزار، ولكن فجأة يتم الدفع به إلى الواجهة، فيشكل جمعية، ويقود تيارا ماردا، ويمنح مقرا، ويتحول خلال يومين إلى زعيم سياسي يلقي خطاباته من باحة مسجد كبير، خلافا لما يقول قانون الجمعيات والتجمعات!».


 رجل الدين هذا، وإن كان الكاتب لم يفصح عن اسمه، معروف، وعلاوة على ذلك فالأوصاف والنعوت التي كالها الكاتب لرجل الدين هذا لم تكن حقيقية ولا تعبر عن مكانته لدى شريحة واسعة من الناس. ثم إن هذا الرجل مع «جماعة» الفاتح ظهروا في وقت كان فيه المجتمع البحريني على شفا حفرة من التمزق والتشظي، يعيش على إيقاع محاولة حقيقية لإسقاط النظام ووضع البلاد على سكة المجهول. لقد ساعد الفاتح بقياداته آنذاك في وقف هذا التمزق وتحييد شريحة كبيرة ممن كان يعتمد عليهم الانقلابيون في رسم مخططهم لإسقاط النظام. فتم وقفهم عند حدود النوايا وتبعثرت خططهم لتنفيذ أجندتهم. وأحسب أن منع الجمع بين المنبرين لكفيل بكبح النوايا في الصدور بإشاعة السلام والمحبة بين المكونات الاجتماعية.


في العموم القانون يمنع كل رجال الدين الذين يجمعون العمل السياسي بالعمل الديني. والقانون ليس لفئة واحدة من رجال الدين؛ فهو لرجال الدين جميعهم أيا كانت ديانتهم ومذاهبهم ونحلهم، وهذا ما ينبغي على المنشغلين بالمجال العام السياسي والمدني إدراكه واحترامه وتثمينه كخطوة حاسمة في اتجاه تأكيد مدنية الدولة. غير أن بعضا من السياسيين والمتدينين السياسيين يأبون هذا الأمر لأنهم يفكرون بمنطق الغنيمة ويجدون في الديني مجالا حيويا لا يستطيعون الصمود من دونه وورقة توت تغطي سوءات تهافت خطابهم السياسي وخواءه؛ هذه هي طبيعة التفكير لدى البعض ممن سيستمرون في تشويه الهدف الحقيقي من إقرار هذا القانون.
إن رجال الدين الذين انبرى أحد الكتاب مباشرة بعد تمرير مشروع القانون لتلميع صورتهم السياسية وتحويلهم إلى قديسين، هم في الأصل والفصل ساسة تربطهم بالأجنبي أجندات تذهب إلى إسقاط النظام السياسي في البلاد فمن حالم بدولة الخلافة إلى طامع في ولاية الفقيه تتنوع اليافطات والأصل واحد. ولكم في مشايخ دين «الوفاق» أسوة، أفلا تتذكرون «كبير» جمعيتهم المذهبية إبان إعلان السلامة الوطنية عندما دخل درع الجزيرة فهدد بدعوة إيران مستنجدا بها للتدخل. ثم أيعقل أن يدافع أحد عن رجل دين يعتلي المنبر ويُحرض الناس على «سحق» رجال الأمن، ثم استحضروا صورة ذاك الذي يجوب بلدان المعمورة باسم حقوق الإنسان محرضا إياها على التدخل بدواعي أكاذيب وفبركات، وهو في كل ذلك لا قبلة له إلا خدمة أسياده في شرق خليجنا العربي.


ننتظر بفارغ الصبر إصدار هذا القانون في مرسوم ملكي لنؤكد من خلال ذلك على مدنية الدولة التي أُرسيت بتعاقب عهود حكام آل خليفة الكرام وصولاً إلى العهد الزاهر لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا