النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

التربية: الحاضنة للوطنية الجامعة

رابط مختصر
العدد 9903 الجمعة 20 مايو 2016 الموافق 13 شعبان 1437

 هل التعدد الديني والعرقي في المجتمعات الإنسانية يفضي إلى تقدم ونجاح وتنمية، أم أنه معطّل ومعوّق لكل ما تقدم؟ تجارب الأمم في بعض المجتمعات تعرض علينا شواهد لتفاعلات إيجابية لهذا التعدد، ولعل أهمها ما هو شاخص أمامنا في المجتمعات الديمقراطية الغربية والشرقية، وفي جنوب أفريقيا. لقد عرفت هذه المجتمعات كيف تنتج من هذا التعدد ثراءً ثقافيا وتوظفه في النهوض بمجتمعاتها في كافة المجالات، فلذلك تراها قد قطعت أشواطًا في تحقيق معدلات عالية في التنمية وفي السلام الاجتماعي. حصل ذلك عندما تسامت المجموعات البشرية على انتماءاتها العرقية والدينية والمذهبية وقررت أن تبني شخصيتها الوطنية الجامعة. فماذا عن مجتمعاتنا العربية عموما ومجتمعنا البحريني على وجه الخصوص؟ هل للتعدد العرقي والديني والمذهبي من أثر إيجابي فيه؟


 بالنسبة إلى بعض المجتمعات العربية - إن لم يكن كلها - فإن الواقع يقول إنها وبدلا من أن تتلاقى فيها الأنواع والتعدديات ومن ثم تنصهر لبناء الوطنية الجامعة وتشرع في عملية البناء والتنمية، فإنها اختارت أن تبحث عما يفرق، وتعمّق فيما بينها العناصر التي تشتت، ولهذا مثل لها هذا التعدد عامل إعاقة وعنصر ضعف باعد بينها وبين التنمية، وأخذت تتقوقع على ذاتها لتقيم بينها وبين الآخر المختلف معها جدرانا عزلتها في أوطانها وعن أوطانها، حتى قبعت هذه المجتمعات في قاع التخلف الاقتصادي والاجتماعي. وقد كانت الطائفية أهم إفرازات الفشل في بناء الوطنية الجامعة وأكثرها خطورة.


 فماذا عن المجتمع البحريني؟ إنه من المجتمعات التي ظلت ردحًا من الزمن تفخر بتنوع أعراقها وتعدد دياناتها ومذاهبها مما زادها ثراءً ثقافيًا، وقد استثمر آباؤنا وأجدادنا هذه الميزة فشيدوا مجتمعا متحابا ينعم بالسلام ووضعوا اللبنات الأولى للنهضة التي نشهدها اليوم، لكن أين نحن اليوم من مجتمع الآباء والأجداد؟ فهل، يا ترى، استطاعت الطائفية المحمولة مع العواصف الصقيعية لـ«الربيع العربي»، وسقطت في براثينه الجمعيات المذهبية واليسارية تباعا في الرابع عشر من فبراير 2011 أن تحقق ما خطط له من تشتيت ممنهج للمجتمع عبر ضرب وحدته الوطنية، وأن يغيروا قناعات هذا الشعب في بناء شخصيته الوطنية غير التابعة؟ السؤالان الأخيران في اعتقادي مهمان. وإجابتي الشخصية عن السؤال الأول قائمة على النفي حتمًا، لأن ما شهدته البحرين قد زاد الشعب البحريني يقينًا بوحدته وبضرورة وقوفه خلف قيادته السياسية بقيادة جلالة الملك المفدى، أما الإجابة عن السؤال الثاني فأضمنها في ثنايا ما تبقى من مساحة متاحة لهذا المقال.


 لقد سبق وأن بينا، في مقالات سابقة، بالنسبة إلى المجتمع البحريني وجود رأي يشير إلى أن الديمقراطية تعد سببا رئيسيا في بروز الطائفية، وأنها، أي الطائفية، هي من أتاحت للمذهبيين الذين تسلقوا الديمقراطية لحاجة في عميق «إيمانهم» أن يظهروا ما يبطنون تجاه المغاير المذهبي، وأعتقد أن هذا الرأي لا يتمتع بالوجاهة المطلوبة ليصمد أمام النتائج الباهرة التي حققتها المجتمعات المتقدمة، وعليه فإننا نستبعده، لأنه، ببساطة، مخالف للوقائع الحية التي نشهد نجاحاتها على مستوى الفعل الإنساني في أكثر من مكان كما أشرنا في المستهل.


 ثمة رأي آخر مهم، عزيزي القارئ، مفاده أن الطائفية ما كانت لتظهر لو أن وزارة التربية والتعليم في البحرين قد اعتمدت مناهج متطورة حية واهتمت بشؤون المواطنة والوطنية وحقوق الإنسان وعززت هذه المناهج ببرامج وأنشطة تربوية صفية ولا صفية تعنى بالقيم الكبرى مثل: التسامح، والحوار، والانتماء والولاء ونبذ الكراهية والعنف و.. و..، وهذا قول صحيح إلى حد ما إذا كانت وزارة التربية والتعليم هي وحدها المسؤولة عن هذا الفعل، فالمناهج وحدها -على أهميتها- لا تكفي لإحداث التغيير المرغوب في المجتمع إذا ما ظلت وحيدة ولم تحصل على دعم ومؤازرة من الأسرة ومن مؤسسات المجتمع المدني كافة.


 فعلى صعيد بناء المناهج ينبغي القول إن وزارة التربية والتعليم في مملكة البحرين ما فتئت تعمل جاهدة على إعداد أفضل المناهج في ضوء أحدث المعايير الدولية وأكثرها نجاعة في تخريج ناشئة تجسد الوطنية والمواطنية في أسمى معانيها، ولكن كيف ننتظر من وزارة التربية أن تحدث التغيير الحاسم في ظل هذه التجاذبات السياسية التي يستثمرها رجال الدين الطائفيون في كل مذهب من المذاهب الدينية من خلال منابرهم الدينية ليبيحوا لأنفسهم نحت ملامح شخصية نفضوا عنها الغبار واستحضروها من مقابر التاريخ في محاولة منهم لإعادة رسم الخريطة الاجتماعية في بلدهم ليقاوموا بذلك عملية البناء الحداثية التي تتصدى لها الدولة المدنية البحرينية؟!!


 إن كل الجهود التي تبذلها وزارة التربية في تحسين مناهجها التربوية لتواكب المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتستجيب لشروط المواطنة وحقوق الإنسان ستذهب سدى، في ظل استفحال هذا المد الطائفي الرهيب الذي يغزو دور العبادة والمجالس، وفي ظل مناهج موازية لا تغذي الناشئة إلا الحقد المذهبي الأعمى ولا تلهمها إلا أساطير الصفاء العرقي أو المذهبي، ولا تحفزها إلا إلى ما ينفي شركاء الوطن ويلغيهم. أنا في ضوء هذا الواقع أميل إلى وجهة النظر القائلة بأن التربية هي المسؤولة عن تفشي الطائفية، ولا أعني بطبيعة الحال وزارة التربية وإنما أعني في هذا المقام التربية بمطلق معناها، أي التربية التي يضطلع بها المجتمع ككل، بقيادة وزارة التربية والتعليم.


 إن أي متتبع لما تنفذه وزارة التربية والتعليم من برامج لدعم المواطنة وحقوق الإنسان لا بد أن يكون منصفًا، ولن يوفر ذريعة ليلقي باللائمة على كل الجمعيات السياسية التي تنحدر من خلفيات مذهبية أيًا كان هذا المذهب، سنيا أو شيعيا، ويحملها مسؤولية تفشي سوءة الطائفية في المجتمع.


 وأحسب أن أولى التحديات، ونحن نأمل في اجتياز النفق المظلم الذي كادت تدخلنا فيه الجمعيات المذهبية، أن نعيد ترتيب أولوياتنا الوطنية لنتباحث حلها على أسس ديمقراطية معضودة بتطبيق المواطنة واحترام حقوق الإنسان. كما ينبغي علينا الحرص على جودة مادتنا الإعلامية وصدقها والتدقيق في طرائق إرسالها وعرضها على المواطن، لأن في تعاون الأسرة والإعلام وباقي مؤسسات المجتمع المدني مع وزارة التربية والتعليم يكمن نجاح المجتمع في تجاوز تشتته ليبني شخصيته الوطنية الجامعة، وعندها فقط ننجح في إحياء الاستثناء البحريني الذي تعالى على الأحقاد ونجح في نسج هوية وطنية فريدة في ثرائها قوية في تنوعها عريقة في وفائها لإرث الأجداد مؤمنة بأن الغد لمشرق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا