النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

نجاح «التمكين الرقمي» رهن بعقد زواج كاثوليكي بين القطاعين العام والخاص

رابط مختصر
العدد 9898 الأحد 15 مايو 2016 الموافق 8 شعبان 1437

اتيحت لي، مؤخرا، فرصة زيارة أحد فصول الصف الثاني الإعدادي في مدرسة الحد الإعدادية للبنات، وهو أحد الصفوف التي تنطلق منها المرحلة الأولى من مشروع «التمكين الرقمي» الوطني في البحرين. في طريقي نحو المدرسة فشلت جميع محاولاتي في التركيز على موضوع الزيارة والهدف منها، بفضل تزاحم صور قديمة اقتحمت ذاكرتي، وما تزال تسكنني. ذكريات جمعتني وقامتين من قامات العمل السياسي الوطني، الأولى كانت صور المرحومة ليلى فخرو وهي ترتدي البدلة «الكاكي» متنقلة بجسدها النحيل بين فصول «مدارس الثورة» لمحو الأمية، التي تطورت بشكل تدريجي بطيء كي تصل إلى المرحلة الثانوية، اما الثانية فكانت للمرحوم عبدالرحمن النعيمي، وكان من سكنة الحد، وكانت لنا لقاءات متكررة كرستها في مرحلة لاحقة سنوات الغربة، ثم رجعت مرة أخرى بعد عودة النعيمي من المنافي. ربما العامل المشترك الذي جمع بين تزاحم الصور التاريخية وزيارة المدرسة هو المشروع الإصلاحي الذي كان محصلة طبيعية ومنطقية لنظرة جلالة الملك المستقبلية وتضحيات شعب البحرين من أجل تقدم البحرين وتطويرها، وكان «التمكين الرقمي»، أحد الأبناء الشرعيين لهذا المشروع الرائد.


تراجعت تلك الذكريات، دون ان تختفي، كي تحل مكانها صور حصة اللغة الإنجليزية في المدرسة. تدخل المعلمة الصف... أنتظر بخلفيتي التعليمية التقليدية، كما كنا في السابق، أن تهرع كل تلميذة في الفصل نحو حقيبتها المدرسية كي تستل منها دفاتر مادة الحصة وكتبها، وتبدأ في متابعة ما ستتلقاه من معلمتها. الصورة تنقلب رأسا على عقب، وبدلا من ذلك تتوزع التلميذات على مجموعات سبق تكوينها، وتخرج من بين المجموعة الثانية، زهرة في مقتبل العمر لا تفارق ثغرها ابتسامة تفاؤل تكشف عن فصوص أسنان اشد بياضا من لؤلؤ البحرين.


تتولى، عوضا عن المدرسة، التي لا تتوانى عن المسارعة لتصحيح خطأ هنا او هفوة هناك، إحدى أفراد المجموعة عرض مادة الحصة، وتخرج بدلا من كراستها المدرسية، حاسوبها اللوحي، في مشروع نفذته المجموعات باللغة الإنجليزية، وموضوعه التوعية الصحية. المجموعات، وليس المدرسة، هن من يقيمن عمل المجموعة، ويقدرن الدرجة التي يستحقها. تتوالى المجموعات الأخرى في عرض مشروعاتهن، وتستمر عملية التقييم من قبل المجموعات، لكنها المتفاعلة وليست المتلقية.


يتكرر المشهد مرة أخرى في حصة الرياضيات. كانت المادة المقرر شرحها هنا نظرية فيثاغورث التي تنص على أن مساحة المربع المنشأ على وتر المثلث القائم الزاوية تساوي مجموع مساحتي المربعين المقامين على الضلعين الآخرين. من جديد تتحول مادة الحصة إلى مشروع تتصدى إحدى المجموعات لعرضها على الفصل، وليس سلة من المعلومات الساكنة التي تتلوها المدرسة على طالباتها.


مدرسة الحد الإعدادية للبنات هي واحدة من خمس مدارس في مشروع وطني طموح يسعى لإحداث النقلة النوعية التربوية في مملكة البحرين من واقعها التقليدي إلى مستقبلها الرقمي، وهي مسؤولية، رغم النجاحات التي حققتها هذه المرحلة وهي تخطو خطواتها، تثير مجموعة من القضايا التي لا بد من إلقاء الضوء عليها من أجل ضمان أفضل النتائج، عبر أقصر الطرق، ومن خلال مشاركة وطنية شاملة.


القضية الأولى تتعلق بمسؤولية الدولة، فرغم ان الجهة المباشرة المناط بها تنفيذ مشروع«التمكين الرقمي»هي وزارة التربية التي تقود المشروع، وتتابع تفاصيله الدقيقة، لكن العملية التعليمية كما يدرك الجميع هي من الخدمات ذات الطابع الشمولي، ومن ثم فمن الضرورة بمكان اضطلاع الوزارات الأخرى، كل في اختصاصه، من أجل إنجاح هذا المشروع، في الفترة الزمنية المطلوبة. هناك مساحات مشتركة تتقاطع عندها الوزارات بشكل مباشر في مشروع«التمكين الرقمي»، والمطلوب اليوم البحث عن هذه المساحات وإطلاق حرية عناصر تشغيلها على نحو مبدع ومبتكر.


القضية الثانية هي مشاركة وليس إشراك منظمات المجتمع المدني، وهنا لا بد مرة أخرى من التشديد على ان هذا الدور لا بد له، إن أرادت هذه المنظمات ان تلج صرح هذه المسؤولية من بابها الواسع، أن يكون استراتيجيا مشاركا، وليس شكليا مشجعا. ينبغي لهذا المنظمات المجتمعية ذات العلاقة، التي ما تزال حتى هذه اللحظة تغط في سبات نوم عميق فوق مقاعد المتفرجين، أن تضع مشاركتها في هذا المشروع في هذه المرحلة في أعلى درجات سلم اولوياتها، كي تنخرط فيه وتكون نواة صلبة في صلب انشطته.


القضية الثالثة، وهي دور القطاع الخاص، فمن الخطأ القاتل، إلقاء وزر المشروع على كاهل الدولة، دون التقليل من حصة المسؤولية المناطة بها. فطبيعة مشروع «التمكين الرقمي»، تقتضي مشاركة القطاع الخاص في علاقة أقرب ما تكون إلى الزواج الكاثوليكي الذي لا يفصل بين طرفيه سوى الموت، وطالما ان مشروع «التمكين الرقمي»، بخلاف«الزواج» مشروع خالد، فينبغي ان تصاغ هذه العلاقة كي تلبي متطلبات الخلود، وتضمن سرمدية التطور. ومرة أخرى ليس المقصود هنا نفحة من المال هنا أو صدقة يتيمة جارية هناك. الصيغة التي يحتاجها المشروع هو نوع من المسؤولية المشتركة، ليس لتلبية متطلبات اليوم، بل لمواجهة احتياجات المستقبل. معادلة تحمل المسؤولية المشتركة بين القطاعين العام والخاص معقدة وتحتاج إلى استراتيجية مبدعة تدرك بنظرة شمولية مستلزمات«التمكين الرقمي» التي من الخطأ حصرها في دائرة اقتناء أجهزة ومعدات وقنوات تشبيك الضيقة، بل، بالإضافة إلى كل ذلك، هي معادلة بناء«المواطن الرقمي»، وربما هذا ما يميز التجربة البحرينية في إدخال التقنية في المسيرة التعليمية.

فمصطلح«التمكين الرقمي»، يعني بشكل واضح ومباشر أنه عملية تحول تدريجي، لكنه شامل لأركان المجتمع كافة، وفي القلب منه فتيات وفتيان اليوم وشعب المستقبل. وعند المساس بشروط نجاح واستمرار هذا النوع من العلاقة الدائمة والقائمة على اخلاص الطرفين لبعضهما البعض، وتفاني الواحد منهما في عشق الآخر، سيواجه«التمكين الرقمي» صعوبات ليس هناك من بوسعه مساعدته على تجاوزها سوى طرفي ذلك الزواج.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا