النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

السلم الأهلي والتوحش المدني

رابط مختصر
العدد 9884 الأحد 1 مايو 2016 الموافق 24 رجب 1437

بقدر ما يتقارب تعبير «الأهلي» مع «المدني»، يتنافر «السلم» مع «التوحش». ومن هنا بسعة ما يتناسب طرديًا بناء المجتمع الأهلي مع تنمية منظمات المجتمع المدني، يتنافر السلم مع التوحش، ويتناسبان بشكل عكسي متصاعد. ومن هنا فبقدر ما تتشبع الأمم بمفاهيم السلم الأهلي وقيمه، بقدر ما تطرد أشباح التوحش وتزيلها من سلوك مواطنيها.


وإذا اعتبرنا السلم الأهلي أنه الرافعة التاريخية التي تنظم العلاقات المجتمعية، من سياسية واقتصادية بل وحتى الاجتماعية منها بين المواطنين بمختلف مذاهبهم ومللهم وأعراقهم، على نحو حضاري راقٍ تسوده قيم القبول بالتعايش مع الآخر، والرغبة في تقليص الفروقات معه بشكل سلمي دون الحاجة لممارسة أي شكل من أشكال التوحش، المعبر عن مصالح «الأنا» الضيقة، لصالح «الكل» الرحبة بما يكفل سيادة القانون، وانتشار العدالة، فسوف نكتشف بشكل تلقائي، ان التوحش المدني هو ذلك الفكر الذي «يعملق» الأنا إلى درجة الانتفاخ الورمي الخبيث الذي ينفي الآخر، ويرفض التعايش معه، إلا تحت قوانين وقيم تلك «الأنا»، التي لا تتردد عندما تحس، أن هناك من يمس محيط دائرتها في المبادرة إلى اللجوء إلى العنف دون سواه، من أجل إعادة رسم تلك الدائرة بما يحافظ على مكاسبها غير المتمدنة، ويحفظ لها مكانتها «المتميزة» التي تضمن لها كل أشكال التميز عن الآخرين الذين تضعهم في درجات سفلى من سلم الهرم المجتمعي، بما يحقق لها الاستمرار في قمة ذلك الهرم، بغض النظر عن التشوهات التي يسببها ذلك التسلط المتفلت من «الأنا»، لشكل الهرم الاجتماعي، ومكوناته الطبيعية.


وعليه، فأي مسعى للمواءمة بين «السلم الأهلي والتوحش المدني» مآلها الفشل، بفضل التناقض الطبيعي بين المفهومين، والصراع الجذري بين قيمهما.


ولعل ما تشهده الساحات العربية اليوم من تدهور في السلم الأهلي، هو مظهر يشهد على الانتعاش الذي دب في جسد التوحش المدني، الذي لا يعرف طريقًا لحل صراعاته مع الآخرين إلا من خلال العنف، وعبر أسوأ أشكاله، بعد ان يضعه تحت عباءة الفكر الديني تارة، وتحت جلباب الانتماء القومي تارة أخرى، وفي أحيان كثيرة تحت مبررات واهية تغطيها شعارات بناء «الدولة الوطنية وتعزيز أركانها».

وهذا ما يقف على النقيض من دعوات كتاب من أمثال محمد احمد بغداد، حين يقول بوضوح «إن المنتظر (بفتح الظاء) من هبة المجتمع المدني الثقافي المتصور، خلال مهمة انقاذ ما بقى من الدولة الوطنية، صناعة ذلك القدر من احترام الآخرين، وتقدير مواقفهم مهما كانت، على اعتبار ان القوة الحقيقة، تكمن في مدى البراعة في ادارة حجم الاختلاف والتنوع، الذي يكون في فضاء ومجال الدولة، كما يكون الاعتماد على قيم الحوار وأخلاق الاختلاف، العامل المهم والحاسم في صناعة الأمل، واتاحة الفرصة المناسبة التي تجعل من كل الاطراف، المسارعة إلى المبادرة والانخراط في المشاركة، دون الشعور بفقدان هويتها الثقافية وانماط تعبيراتها الذاتية ومضمون قناعاتها».


هذا التناقض بين مقومات المجتمع المدني المتحضر القائم على السلم المدني، مع ذلك المتخلف المرتكز على «التوحش المدني»، يعالجه بوضوح، المفكر الإسلامي ابن خلدون في مقدمته حين يقارن بين «البداوة» بمفهومها الحضاري، مع «التمدن» بقيمه الحضارية أيضا، في مقدمته «صارت طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران هذا في حالهم على العموم وأيضا فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس وأن رزقهم في ظلال رماحهم وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه فإذا تم اقتدارهم على ذلك بالتغلب والملك بطلت السياسة في حفظ أموال الناس وخرب العمران وأيضا فلأنهم يكلفون على أهل الأعمال من الصنائع والحرف أعمالهم لا يرون لها قيمة ولا قسطا من الأجر والثمن والأعمال كما سنذكره هي أصل المكاسب وحقيقتها وإذا فسدت الأعمال وصارت مجانًا ضعفت الآمال في المكاسب وانقبضت الأيدي عن العمل».


وهناك خيط رفيع يفصل بين السلم الأهلي والتوحش المدني، إذا ما اعتبرنا ان دعاة كل منهما يتدثرون تحت لحافات التقدم والبحث عن طرق التحضر، وهذا ما ينوه له صراحة الكاتب عبد الصمد بلكبير حين يقول «الحضارة قشرة رقيقة، تكبت عمقًا من التوحش، فإذا استفزت القشرة، ومورست عليها محفزات: اقتصادية - اجتماعية - سياسية وأخلاقية... انفجر المكبوت فرديًا أو جماعيًا، وذلك في صيغ من الكراهية والحقد والثأر والاستعداء والانتقام... خاصة إذا وجد من يرعاه ويغذيه ويحرض عليه ماديا وإيديولوجيا بخطاب (ديني) تسويغي وتحريضي».


وإذا ما قدر لمن يعالج علاقة التنافر الموضوعية بين التحول السلمي نحو المجتمعات الأهلية المعاصرة والتوحش المدني الذي يحاول أن يجرها نحو الخلف، فسوف يكتشف أن الحاضنة المجتمعية للعمل السياسي العربي تقف وراء تغليب التوحش على التحول السلمي، هذا ما يشير له الباحث خالد هنداوي، حين يقول «فالسياسة في أغلب دول المنطقة العربية، لا تمارس بوصفها حقلاً مدنيًا وبعيدًا عن محن التاريخ والنزعات الأيدلوجية الصارخة.. وإنما تمارس وكأنها حقل وحشي، لذلك فإنها تتوسل بوسائل غير مدنية لإدارة مصالحها أو منع تجاوزها.. لذلك تغيب من أغلب المجتمعات العربية فكرة التنافس السياسي السلمي والبعيد عن نزعات الخصومة والعداء.. ووفق هذه الممارسة نتمكن من القول إن الممارسة السياسية في أغلب دول العالم العربي، تساهم في إنتاج ظاهرة العنف بالمستويين الرمزي والمادي.. وإنه ما دام التعامل مع السياسة بعيدًا عن مقتضيات المدنية والسلمية فإنها لا تنتج إلا العنف.. ولن نتمكن من إنهاء هذه الظاهرة الخطيرة على الممارسة السياسية وكذلك على المجتمع بكل دوائره ومستوياته، إلا بتأسيس الممارسة السياسية والتنافس السياسي بين التعبيرات والمكونات السياسية على قاعدة أن هذه الممارسة تجري في سياق النشاط المدني والذي يدير كل الممارسات السياسية بعيدًا عن نزعات الإلغاء والإقصاء والتوحش».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا