النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11088 الأحد 18 أغسطس 2019 الموافق 17 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:12PM
  • العشاء
    7:42PM

كتاب الايام

حركة القوميين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي (21)

رابط مختصر
العدد 9755 الخميس 24 ديسمبر 2015 الموافق 13 ربيع الأول 1437

• الحركة واندلاع الانتفاضة
أحداث مارس 65، هل هي انتفاضة أم ثورة؟
قبل الدخول في تفاصيل يوميات احداث مارس من عام 65 وخلفياتها وتداعياتها حتى الخمود النهائي، نود تعريف المصطلحين في عالم السياسة والفرق بين الانتفاضة (فلاحية، عمالية، شعبية)، والثورة طبيعتها وجوهرها وأهدافها وقواها المحركة. إذ نشهد حتى هذه اللحظة ولع الشباب بتعبير «الثورة»؛ لأنها ذات وقع خاص على سيكلوجيتهم وعنفوانهم، حتى وإن كانوا لا يفقهون تلك الفروقات كما هم شباب انقلاب الدوار وائتلاف شباب الثورة، فوجدنا المصطلح عندهم لا يتجاوز اكثر من بعده اللغوي الادبي والرومانسي، أما على ارض الواقع فلا توجد أي سمات لتلك الثورة بكل انواعها، حيث تتحول الاحتجاجات والتظاهرات والاستياء العام والحراك السياسي الى مستويين أدنى وأعلى، هما مستوى الانتفاضة ومستوى الثورة في مرحلة من مراحل تطورهما في الصراع مع السلطة. هكذا سنجد ادبيات وكتابات شخصيات سياسية بمثابة رموز قيادية تسقط في نفس الاخطاء، وتتوهم أن الغضب الجماهيري والاحتجاجات في انتفاضة مارس 65 بلغت ذروة تعبيراتها الثورية. فمن أين نبعت تلك التصورات التشخيصية الخاطئة لتوصيف احداث مارس «بالثورة الشعبية؟».
لنتتبع نصوص كتبها الاخ المحامي محمد السيد في يومياته عن الانتفاضة حيث يقول: «نستطيع ان نقول ان هذه الانتفاضة كانت ثورة ولكن من نوع خاص. ثورة قوامها العمال وعمادها الجماهير الكادحة من جميع فئات شعب البحرين».. ص9، فيما في صفحة 24 كان قلقًا: «كنت اشعر بأننا في متاهة جماعية في معركة لا نعرف نتيجتها، لا احد يعيننا عليها ومصيرنا مجهول». هذه الثورة من النوع الخاص نجدها في صفحات الكتاب تكتب بصيغ مختلفة فهو يعرضها على لسان احد القوميين المتحمسين: «إن شاء الله خير وهذه ثورة شعبية».. ص36.
وفي نفس الصفحة «ونحن في ثورة تطالب بحقوق العمال». و«إن ثورة شعب البحرين الشعبية معتمدة على مواصلة الاضراب ومواصلة التظاهرات وإن ثورة شعب البحرين لازم تنتصر».. ص47، ثم يعرض محمد السيد خطاب طويلًا لأحمد الشملان ضمن الخطب اليومية التي تذاع من داخل المسجد ولا أعرف كيف حفظ النص بكل تفاصيله: «أيها المواطنون الأحرار أيها المناضلون الشرفاء لقد أعلنها شعبنا ثورة حتى النصر».. ص 56 (مؤثرات الثورة الفلسطينية واضحة) ثم يكرر محمد بونفور نفس العبارة: «وإنها لثورة حتى النصر». بعدها يستطرد محمد السيد في نفس الصفحة خطبته ببيت من الشعر عن الثورة «يلقاك بالدم دمع الثورة المقل يا ثورة في زنود السمر تشتعل ويكتب ايضا مستطردًا: يا عمالنا البواسل يا عمالنا البواسل (مرتين) يا عمالنا الاشاوس الخ، إننا في هذه الايام نعيش انتفاضة شعبية حقيقية. ثورة تشتعل في قلوب العمال والفلاحين والكادحين الفقراء، إنها ثورة قامت بها جماهير شعبنا من جميع الطبقات الاجتماعية الكادحة، إنها ثورة العمال والطلاب والمدرسين والموظفين وجميع الكادحين»، في صفحة 57 (ثورة وانتفاضة في نفس الوقت !!). يتحدث السيد عن المشاكل المزمنة هي التي دفعت بجماهير شعبنا الابي للقيام «بهذه الانتفاضة بهذه الثورة المباركة (يومها لم تكن تستعمل الثورة المجيدة!) ويختم خطبته العصماء ايضا: «وسوف تنتصر ثورتنا وتتحقق مطالبنا». أفهم بعض الخطب المطلوبة لرفع معنويات الجماهير وشحذ حماسها بالاستخدامات الشعرية والادبية، ولكن ما لا أفهمه هو تلك التضاربات في المفاهيم والتعريفات وخلط الكلمات كلها دفعة واحدة، كل ذلك كان واضحًا هو التعبير الفعلي عن التيه السياسي والذهاب الى المجهول كما اشار اليه السيد نفسه، ولكن يبدو ان ذلك كان استنتاجًا متأخرًا تم كتابته ليس في زمن الانتفاضة نفسها، وإنما بعدها بسنوات طويلة من النضج السياسي والهدوء والتأمل الفكري الأعمق.
نلحظ مؤثرات اختلاط التعريفين الانتفاضة والثورة عند محمد السيد ينسجم مع اتجاه وتعريفات وكتابات تنظيمه السياسي الذي ينتمي اليه، ففي ادبيات ومنشورات جبهة التحرير لاحظنا الشيء ذاته. ففي منشور الجماهير في شهر ابريل «ثورة شعبنا مستمرة حتى النصر»، وهناك اشارة لعبارة «انفجرت ثورة شعبية جبارة»، وتتكرر في منشور شهر مايو عبارة «ثورة شعبنا»، ولكن الطامة الكبرى حين يعرض المنشور النتائج لتلك الانتفاضة بذكره: «والنتيجة الثانية هي ان شعبنا يتمتع بوعي ثوري جعله يعلن الثورة ويستمر في النضال رغم الرصاص والارهاب وهو قادر تمامًا على الاستمرار في الثورة والنضال وجدير بتحقيق النصر».
ويا للهول لتلك النتيجة والتحليل والقراءات السياسية لموازين القوى، مما يعكس يومها مدى الامكانية الفكرية والسياسية في قيادة جبهة التحرير. تواصلت عبارة «ثورة شعبنا» في منشور يوليو ليسقط المنشور في تعبير من التعبيرات المعارضة للماركسية في الاساس باعتبار ان الحزب بالاعتماد على الطبقة العاملة هي الطليعة الرائدة لقيادة النضال فيما عنوان خاص يقول: «طلبتنا رواد ثورتنا!!» وعلامات التعجب من عندي فمنحوا الطلبة الريادة ليس للتظاهرات وإشعالها وحسب وإنما لقيادة «الثورة» ويا للهول لمرات وليس لمرة واحدة. ويكرر منشور يوليو ايضا عبارة اخف: «وكان لطلبتنا في ثورة شعبنا الاخيرة دور بطولي رائد»، والأصح كان لطلبتنا في انتفاضة مارس الشعبية دور بطولي ورائد فيستقيم التعبير مع الواقع السياسي والاصطلاحي لتمييز الفرق بين الانتفاضة والثورة في احداث مارس 1965.
وهناك العديد من التكرارات المملة لا أريد الاستطالة بها بقدر ما هو ضروري توضيح الفرق بين الانتفاضة والثورة؟ تنطلق الانتفاضات التاريخية من اسباب موضوعية في المجتمع، ولكنها تبدأ بعنصر وحافز الشرارة الاولى التي تشعلها، تتطور الانتفاضة من مرحلة المطالب وبعض الاهداف السياسية إبان حراكها وفق المراحل التي تمر بها تلك الانتفاضة، ووفق ميزان القوى قد تنهزم تلك الانتفاضة وتتراجع او تحقق جزئيًا مكاسبها التي قامت من اجلها. ولكي تصبح الانتفاضة شعبية من الضروري أن تشارك فيها الاغلبية الواسعة من السكان، بحيث يمثلون طبقات وشرائح ذلك الشعب، أما اذا ظلت محصورة الاحتجاجات في الطلاب او العمال او الفلاحين وحدهم على انفراد فتُوصم الانتفاضة تلك بسمتهم ايضاً، ولكن تظل في جوهرها لا ترتقي لمستوى الثورة؛ لأن مشروع الثورة هو تغيير جذري للنظام السياسي والاجتماعي في المجتمع، معروضًا في برنامج الثورة وفي طبيعة تلك القوى الاجتماعية التي تحرك وتقود تلك الثورة، فيما الانتفاضة تظل محصورة في مجمل المطالب والاهداف المتنوعة اقتصادية وسياسية واجتماعية وحقوقية دون أن تهتم أو تسعى لتغيير النظام القائم.
هكذا كانت انتفاضة مارس 65 تحولت من المطالب العمالية الأساس الجوهري لاندلاعها التسريحات الواسعة، فيما تطورت بسرعة الى مدى اوسع لتمس بعض الجوانب السياسية والحقوقية المتعلقة بنهوض طبيعي لحركات التحرر، دون أن تكون قادرة على تملك وسائل قوى الضغط لتحقيق ما اعلنته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا