النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

تعزيز المواطنة!!

رابط مختصر
العدد 9735 الجمعة 4 ديسمبر 2015 الموافق 22 صفر 1437

 عندما أقول استهلالاً إن أحداث 2011 كانت قاسية ومثقلة بالآلام، وخلّفت جروحًا طائفية غائرة في جسد هذا الوطن، وصنعت سياجًا نفسيًا عازلاً من الريبة والشك وعدم الثقة بين أفراده، وإن هذه الأحداث كشفت عيوبًا كثيرة لعل من أهمها ضعف الانتماء والولاء للوطن وللقيادة السياسية، فإنني لا أنوي الحديث في السياسة بقدر ما أن ذلك هو المدخل المنطقي لتناول الشأن المحلي من خلال واحدة من أهم القضايا التربوية التي تعي وزارة التربية والتعليم تماما أهميتها، أعني بهذا القول المواطنة. فبعد الأحداث تبين بما لا يدع مجالاً للجدال أن هذا المجتمع لم يكن يومًا من الأيام في مثل هذه الحاجة الماسة والملحة لتعزيز المواطنة بصفتها شعورًا راسخًا لدى الفرد بالانتماء والولاء للوطن وللقيادة السياسية، وباعتبارها قيمة اعتبارية مشتركة مؤسسة لبعد رئيس من أبعاد هوية الفرد والمجتمع في آن.
 شخصيًا لا أشك في أن مصير ما خلّفته الأحداث من الآلام متجه لا محالة إلى تلاش وعدم، وأن مآل الجروح أن تصير إلى اندمال وانتهاء، وأن السياج النفسي العازل سيؤول إلى انكسار واختفاء بعزيمة وإصرار كافة مكونات هذا المجتمع. إننا لقادرون حقًا على تجاوز آثار الأحداث مهما ادلهمت الخطب وتكالبت قوى الشر الإيرانية المذهبية على تأليب مكونات المجتمع البحريني بعضها على بعض، في لعبتها نحو صناعة قوتها الإقليمية المبنية على قاعدة ضعف الآخرين من خلال شق صفوفهم الوطنية مستخدمة المذهب سلاحًا لذلك. نعم إيران نجحت في ذلك في لبنان، ومن ثم العراق، واخترقت ما سمي بـ«الربيع العربي» على أمل أن تكلل مسعاها لتكون القوة الحاسمة التي تفصل في الشؤون اليمنية السياسية للهيمنة الثقافية، فخاب مسعاها بفضل التحالف الذي تقوده شقيقة العرب الكبرى المملكة العربية السعودية.
 إيران دولة دينية تحكم شعبها بالقهر المذهبي وبإيديولوجية ولاية الفقيه الدكتاتورية. ومن هذا المنطلق، وطبقًا لما حدث لنماذج سابقة في الشرق والغرب، يراهن الكثيرون، وأنا منهم، على حتمية انتهاء هذه الدولة، وإنفراط سيطرة رجال الدين على السلطة السياسية؛ لأن سلطة كهذه ليست قائمة على أسس إنسانية تمدها بالبقاء، ولكن حتى يحين أجل مواراة هذه الدولة بطون كتب التاريخ وتصبح أثرًا بعد عين، فلا ينبغي أن نترك مجتمعنا عرضة لدسائسها وخبثها المذهبي الماسك بخناق مجتمعنا منذ العام 1979. علينا أن نعمل على تعزيز جوانب شتى في مجتمعنا البحريني مستفيدين من دروس الأحداث الأليمة التي حدثت قبل خمس سنوات. فما الذي ينبغي علينا عمله إزاء هذا الحقد المذهبي المقيت لكي نحمي مجتمعنا منه؟ ما السبيل، كي نعيد من جديد تشييد ما هدته الممارسات الطائفية من المنظومة القيمية المجتمعية، مثل: التعايش، والتسامح، والحوار وقبول الآخر.. إلخ، تلك المنظومة المتوارثة عبر أجيال متعاقبة، والتي كنا نعدها قوية قادرة على الصمود في وجه المذهبيين الطائفيين، فإذا بها في اعتقاد المتشائمين منا تنهار، وفي أعين المتفائلين منا تتصدع؟
 من الثابت، أن إيران تتسلل إلى مجتمعنا البحريني، وتبث أحقادها المذهبية، وتهرب أسلحتها العسكرية والإيديولوجية من خلال طابورها الخامس، ومن خلال رجال الدين الطائفيين المسيسين، ومن خلال الدكاكين الحقوقية والجمعيات المذهبية التي تقودها «الوفاق». شخصيا أرى أن تقوية المجتمع وحمايته، إلى جانب العمل مع الأشقاء على تقوية مجلس التعاون باتجاه الوحدة الأكيدة، مواطن قوة يكمن سرها في قدرتنا على تعزيز المواطنة. وأعتقد جازمًا أن كل من له عين تقرأ وتبصر يرى أن وزارة التربية والتعليم بقيادة وزيرها الدكتور ماجد النعيمي تكثف من جهودها بإعادة النظر في مناهجها الدراسية لتطويرها وتعزيز حضور ما يسهم في إذكاء جذوة قيم المواطنة فيها، ولتتقاسم بذلك هذه الوزارة السيادية المسؤولية الوطنية مع مؤسسات المجتمع الأخرى، عسكرية ومدنية للحفاظ على الأمن الوطني والنسيج الاجتماعي متماسكا عبر تعزيز قيم الانتماء والولاء والحوار والتسامح، والتعايش وقبول التنوع والاختلاف.
 ولغرس هذه القيم، وجعلها ممارسات في سلوك الناشئة، وهم عدة وعديد المستقبل، قامت وزارة التربية بتطبيق النموذج الوطني للمدارس المعززة للمواطنة بالتعاون مع منظمة اليونسكو، وذلك باختيار أربع مدارس إعدادية نموذجا للتطبيق العملي، وهو إجراء تعليمي صائب سواء من حيث آليات تنفيذه تجريبيا لإتاحة فرص أكبر للتعديل والتحسين، أو من حيث الفئة العمرية المستفيدة منه، إذ بمتابعة وقائع العار التي أمنها تخطيطا وتحريضا «بتوع نضال آخر زمن» على حد قول الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم، نجد أنهم يستهدفون طلبة الحلقة الإعدادية والثانوية ليجعلوهم حطب معركة يتوهمون أنهم بها سيسقطون النظام مستغلين في ذلك ما يسم سلوك المراهقين في هذه المرحلة من نزوع عفوي إلى التمرد على كل سلطة، وبحث طبيعي عن مثل الثورية والحرية، وسعي تلقائي إلى إبراز الذات وإن كان ذلك بأفعال غير مدروسة عادة ما نجدهم فيها واقعين تحت تأثير منطق «الشلة». ولعلنا هنا نجد من يتساءل: «ألم تكن وزارة التربية تدرس مادة التربية للمواطنة منذ سنوات قبل الأحداث حتى تعمد إلى هذه التجربة؟ ولقد تفضل الوزير بنفسه بتقديم الإجابة عن هذا السؤال في تصريح له عند تدشين تطبيق النموذج الوطني للمدارس المعززة للمواطنة، فقال: «...النموذج الوطني يأتي استكمالا لجهود الوزارة التي بدأتها منذ العام الدراسي 2005-2006 باستحداث منهج جديد للتربية للمواطنة وتعزيزها تدريجيًا لتشمل لاحقًا قيم حقوق الإنسان ومفاهيمها في أبعادها الإنسانية والروحية والوطنية».
 إذًا ما طبيعة هذا النموذج الوطني؟ بالإجابة عن هذا التساؤل لعلي أقول إن التقويم المستمر للبرامج التعليمية التي تطرحها الوزارة هو الذي يحدد التطوير ودرجته. فمضمون النموذج الوطني يركز على قيم المواطنة في بعدها المحلي مثل الانتماء والولاء وقبول التنوع والاختلاف والحوار، وفي بعدها الكوني من خلال مصفوفة قيم كونية مثل حقوق الإنسان والتسامح والاعتدال ونبذ العنف... إلخ، من خلال مجموعة من الأنشطة الصفية واللاصفية، وعبر مواقف وأنشطة تعليمية متنوعة من ناحية الكثافة والنوعية. فهذا النموذج الوطني أعد له إعدادا مدروسا ويقع تحت متابعة شخصية من الوزير، لكي يواكب طموحات القيادة السياسية وما تنشده من دور ريادي لوزارة التربية والتعليم التي تعتبر السلاح الأنفع في مجابهة كل النزعات الهدامة وكل أعراض ورم الطائفية السرطاني الخبيث.
 مع ذلك، وإضافة إلى ما تقدم نعيد القول إن وزارة التربية بمفردها - وإن بذلت جهودا جبارة لا ينكرها إلا من في قلوبهم مرض - لا تستطيع ضمان خلاص نهائي من أورام الطائفية، لأن شفاء مجتمعنا من فيروسات الدوار وما سمي بالربيع العربي شأن جماعي يبدأ بالأسرة، وبترشيد الخطابات الدينية لجعلها تخدم قيم المواطنة والانتماء، وبالعمل على تعزيز المشهد الثقافي بكل ما يخدم قيم العقلانية والحداثة، فالبيت البحريني أثبت عبر تاريخه العريق أنه حين يفتح الباب لثقافة العقل والتنوير تفر شياطين الجهل المقدس والطائفية والخرافة والتطرف من الشباك بلا رجعة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا