النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11027 الثلاثاء 18 يونيو 2019 الموافق 15 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

حركة القوميين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي (14)

رابط مختصر
العدد 9731 الإثنين 30 نوفمبر 2015 الموافق 18 صفر 1437

* المحرق مدينة الانشقاقات
ربما أجمل الاوصاف عن المحرق وطيبة اهلها وشعبيتهم وبساطتهم هي تلك العبارة التي قالها الشاعر قاسم حداد عن مدينته بأنها مدينة «الابواب المفتوحة». ولا اعتقد إن قاسم ما زال مصراً بأنها «مفتوحة دوماً» تلك الابواب مع زحف الغرباء وتبدل ملامح كل الاحياء الشعبية في احياء ومدن البحرين «الجديدة». لا نحتاج للتصفيق والتهليل والتمجيد عن مدينة بورسعيد أو تلك التوصيفات عنها فهي عريقة بتاريخها وكتب عنها الكثير توثيقًا وتاريخًا، بما فيها الكتابات السياسية.
ومع ذلك فالمحرق المشبعة بالروح القومية الناصرية لها خصوصيتها السياسية ولابد ان نشير إليه، فتلك المدينة كانت تفرخ التنظيمات والتجمعات القومية، بل وترفد الاحزاب والحركات بكوادر وعناصر نضالية طوال تاريخ الحركة الوطنية الطويل، والمحرق التي صمدت دومًا وقاومت بكل قوة رياح الطائفية، بخلاف مناطق اخرى، عصفت بها قليلا إن لم نقل كثيرا ازمة احداث فبراير 2011 فكشفت لنا المكنون. تلك المدينة عرفت تموجات وأجنحة ومجموعات قومية كثيرة وحلقات صغيرة، إما وجدت ضالتها في تنظيمات اكبر لتذوب فيها او تتبخر مع الوقت من تلقاء نفسها، ففي الوقت الذي ولدت فيه حركة القوميين العرب الجنين التنظيمي في تربة منامية اولاً، فإن تنظيم الشباب العربي كان سباقاً عليه بعام، حيث تأسس بين عام 57 ـ 58، ولكنه سرعان ما انصهر بعد عام في بنية تنظيمية قومية أهمَّ وأنضجَ سياسيًا وفكريًا من تنظيم متقوقع في جغرافية «محرقيته» بل وبدت حركة القوميين العرب لتنظيم الشباب العربي في باكورة نظرتهم القومية المحدودة، عملاق تنظيمي قومي جديد، وبأنها ليست إلا رديفاً وواجهة وشكل من الناصرية الفتية والجديدة في عالم الاحزاب القومية الصغيرة ينقصها الخبرة والوعي، بل وأسهمت تلك النظرة بقبول ذوبان الشباب العربي في جسم حركة القوميين العرب، ولكن البعض من تلك المجموعة، التي انصهرت في الحركة في اواخر 1959، وجدت نفسها من جديد، تنسحب لبناء الشباب العربي في مرحلة جديدة اخرى، يتزعمها عبداللطيف الجناحي برفيق دربه حمد عجلان، ففي المقابلة التي اجريت مع احمد حميدان روى لنا «أن عبداللطيف جناحي وحمد عجلان منذ سنة 1960ـ1961 كان لديهما اشكالية اسلامية، وشكّلا تنظيماً باسم الشباب العربي بعد ان انفصلا عن الحركة». ظل هذا التنظيم الميكروسكوبي الصغير لا قيمة شعبية له ولا حضورًا سياسيًا، بل ولم نجده إلا كيانًا هلاميًا لا وجه له ولا برامج او توجه فكري واضح المعالم، ولم يترك لنا خلفه مؤثرًا يوميًا بين الناس. هذا التنظيم اكتشفنا حضوره مع الانتفاضة لأن (بوب)، قرر ان يعتقل الزعيمين الاوحدين له (والغريب أنه لم يكن ضمن تشكيلة جبهة القوى القومية التي تشكلت من قوى سياسية بحرينية مع الشرارة الاولى للانتفاضة) ويحتفظ بهما فترة قصيرة ثم يطلق سراحهما، بعد ان قررا في جدة ان يسوّيا الامر نهائيًا مع الامن بصفقة التعهد النهائي بعدم التدخل في السياسة، وقد كانا في زنزانة متجاورتين في سجن (جده) تفصلهما زنزانة عبداللطيف راشد غنيم من الحورة، وكان ينقل بحرفية الكلام الغامض بين الاثنين، وكانا يشفّران الكلام بعبارة 394، وبعد نقلهما الى القلعة وإطلاق سراحهما، اخذ المعتقلون في جده يفككون تلك الشفرة، فتوصلوا الى أن الارقام لا تعني إلا الحروف الابجدية (أبجد هوز حطي كلمن) لعبارة c.i.d، وبأنها تعني 394 المقصودة طوال حديثهما الذي كان ينقله عبداللطيف راشد، فكان الثنائي عجلان ـ جناحي هما اول مجموعة انشقت في جزيرة المحرق عن الحركة، لتدخل الحركة مرة أخرى في عام 1963 حوارًا عميقًا بين المجموعات القيادية المحرقية، حول التوجهات السياسية للقيادة الجديدة وعلاقتها بالكويت، ومشروع فكرة العنف والكفاح المسلح. ورغم انه كان بالامكان احتواء تلك الخلافات وتسويتها، إلا أن محمد جابر صباح وعلي ربيعة لم يقتنعا نهائيًا، ووجدا نفسهما ينشقان عن الحركة ليؤسسا تنظيمًا جديدًا باسم «الثوريين العرب».
فإذا ما كان انشقاق الثوريين العرب سحب معه بعض الحلقات من جسم الحركة نتيجة موقع هاذين العنصرين القياديين في منطقة المحرق، فإن تنظيم الشباب العربي، لم يكن له في انتفاضة 65 اي عناصر معنا في المعتقل إلا جناحي وعجلان، اللذان لم تكن علاقتهما منفتحة مع بقية المعتقلين في سجن (جده). وقد كشفت الانتفاضة ايضا عن هشاشة وحجم وقدرات تنظيم الثوريين العرب، الذي كان مولود طري انبعث اواخر عام 1963 - ومات مع انتفاضة مارس1965، ولم يلمس اعضاء الحركة في المحرق فاعليتهم الشعبية، بل وظل التنظيم محصوراً في نطاق مدينة المحرق، فلم يتمدد حتى لمناطق كالحد وقلالي وسماهيج والدير، وانما عاش على حلقاته التي سحبها مع فترة الانشقاق، فكانت تلك السنتين مؤشرًا على ولادة تنظيم مات مع الانتفاضة، فلم نجد من عناصره في السجن إلا ثلاثة رؤوس هم محمد جابر صباح وعلي ربيعة ومحمد سيف عجلان، وللعلم لم يكن اعضاء تنظيم الثوريين العرب يومها يفوق عددهم 25 ـ 30 عضواً. قد تكون هناك مجموعة أسماء لا تشكل إلا قيمة رقمية ضئيلة، عكست حجمها امام الانتفاضة، وحددت حجمها الفعلي بالرغم من التنسيق والتعاون بين التنظيمات في مدينة المحرق إبان حموة الانتفاضة اليومية. وحده تنظيم الشباب الناصري، تشكل من التجمع العشوائي الشبابي المتحمس لمشاريع النضال ضد الاستعمار، فكل مخياله السياسي ناصري، وتغيب عن قدراته الذهنية والفكرية مشاريع قومية كبرى تتعدى حدود الاحياء الشعبية، التي يسكنها نتيجة أعمارهم الفتية، التي لم تتجاوز العشرين عاما. هكذا كان تنظيم «الشباب الناصري» لا يتعدى عدد أفراده ما بين 15 ـ 20 عضوًا اكتشف ذاته وقدراته في الانتفاضة.
تلك المجموعة الناصرية الصغيرة، التي شكلت وجودها الصغير بفعل الحماس وجدت نفسها مرغمة على الانصهار في جسم سياسي اكبر كمخرج لمأزقها التنظيمي، فهي ليست إلا مجموعة متشرذمة منغلقة بلا أفق سياسي وفكري، فمرحلة الحماس يعقبها اسئلة تنظيمية وسياسية أعمق، وجدها تنظيم الناصريين العرب (الشباب الناصري)، الذي لم يكن في المعتقل من عناصره إلا محمد بو نفور، فالمخابرات يومها لم تجد أهم من قطع رأس التنظيم باعتقاله، وبفصل رأس الحربة لتهدئة شوارع المحرق الصاخبة، وبعد اعتقال محمد بونفور سبح الجسم الصغير في سديم الفراغ السياسي، وليجد نفسه خامدًا بعد انطفاء شعلة الانتفاضة. لهذا كانت كل التجعات الصغيرة المحرقية او الانشقاقات الاخرى لم تحقق مرادها، بقدر ما اضعفت تطور حركة القوميين العرب في تربة المحرق، فلا فادوا غيرهم سياسيا ولا استفادوا من الانفصال والتشرذم، وقد أتضحت حقيقتها عمليًا مع انفجار الانتفاضة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا