النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

في رثاء صديق

رابط مختصر
العدد 9623 الجمعة 14 أغسطس 2015 الموافق 29 شوال 1436

لأننا بشر نتكون من كتلة مشاعر، فإن الوقع الأول لهذه الجملة: «انتقل إلى رحمة الله» التي عادة ما نستمع إليها منقولة عبر إذاعة البحرين أو نقرؤها في وسائل الإعلام الأخرى حالة من الحزن تنتابنا وتملؤنا الحسرة، أما إذا ما اكتمل خبر الجملة بذكر من نعرف فإن الحزن يتضاعف، وتصبح حالة الفقد مؤلمة إذا ما كان المُخبَر عنه صديقا عزيزا. هذه الحالات الثلاث المتدرجة في الحزن، مضاف إليها الحسرة هي التي لم تمهلني وعصفت بي دفعة واحدة لحظة قراءتي رسالة قصيرة وردت من صديق ينعى فيها أخي وصديقي وحبيبي يوسف يتيم.
كل أوجاع الافتقاد وآلامها على الإنسان مثل السفر، والهجر بسبب الزعل، أو الهجرة من مكان إلى مكان آخر وغيرها من الأوجاع التي يخلفها الفقد يمكن مداواتها والتعايش معها ويمكن التعويل على الزمن آلة سلوان قادرة على محو آثارها بسرعة عجيبة إلا افتقاد الموت الذي تقف عنده عجلة الزمن بتوقف قلب الميت عن النبض ليبدأ اشتغال شريط الذكريات والصور والمواقف التي تشارك إنسان مع إنسان آخر في نسجها. إن فقد الموت عصي على المداواة وإن استمر الزمن يتدفق أحداثا ليشيد واقعا مختلفا غير ذلك الذي يبقي صورة من غادر دنيانا. الموت ينهي حياة شخص الميت ولكنه لا يقطع حبل الذكريات بل إنه يزيدها توهجا وحضورا ويجعل فارسنا المترجل حاضرا في أبسط تفصيلات حياتنا اليومية حضورا يهيج الذكرى فيضاعف الإحساس بالفراغ عنوانا أوحد للفقدان.
يوسف يتيم الذي اختار الموت «عامدا» ما فتئ يطرق أبوابه ليسقينا من مرارات موته حيا بيننا يوم كنا نتجاهل معاناته ضاربين عرض الحائط بما كان ينفق من وقت في تسهيل حياة آخرين كانوا يحصدون من تعبه أموالا! يوسف هذا كان اسما شائعا في عوالم شتى، وفيها أجزل العطاء وأفاض إبداعا وملأ محيطه فيها عذوبة معشر ونقاء إنسانيا. فلقد شاع اسمه في عالم مهنته محاميا فذا برع في كتابة مرافعاته كما قال عنه من اشتغل معه فكان في عمله استثناء ومحاميا من طراز رفيع، وفي هذا يحضرني قول واحد ممن اشتغل معهم ولهم في الإمارات في عام 2000، وهو فرنسي الجنسية، «يوسف هذا من أهم ما أنجبته البحرين في كتابة المرافعات القانونية»، يشهد بكفاءة يوسف محاميا فذا المحامون المرموقون الذين تعاملوا معه من أمثال حسن رضي ويوسف زينل وأحمد الشملان وعبدالوهاب أمين وغيرهم كثيرون. لم تكن المحاماة وحدها ميدانا برز فيه يوسف يتيم وعانق الروعة في أدائه وحذقه ما يصنع فقد شاع اسمه أيضا في النقد الأدبي وكان منحازا في ممارسته إلى الأدب الذي يعكس معاناة الفقراء والمعدمين ويروج أفكاره ويدافع عنها، حبه الأدب كان من حبه الحياة وعشقه جمال الكلمة ونفاذها وقدرتها على تفسير الواقع وتغييره، ولعل ولعه بالكلام كان سببا في اتقانه الترجمة المحترفة من الانجليزية إلى العربية، ومن العربية إلى الانجليزية، ومن الروسية إلى العربية والانجليزية وبالعكس.
باختصار كان الراحل اسما شائعا في مجالات كثيرة ومن ضمنها عالم اللا مبالاة والبوهيمية، وقد كان يعد نفسه فارسا فيهما! برز في كل شيء إلا في عوالم التزلف والتسلق والأنانية فإنه سجل فيها إخفاقا ما بعده إخفاق؛ لأنها لم تكن من معدنه فيوسف بنسجه لعلاقاته الاجتماعية كان ذهبا خالص. رحمك الله أخي يوسف وطيب ثراك.
وبحكم صداقتي المديدة معه والتي تمتد إلى أكثر من 45 عاما، وفيها تقاسمنا الفرح والشقاء يمكنني، بحق الصحبة مع الراحل وتكريما له، أن أقف مع القارئ واستل قلمي في يوم مواراة جسده الثرى مباشرة لأنثر ما به من لوعة الفقد وأرسم صورة قلمية بأهم محطات عمره في عجالة. وسأكون مقصرا لو أني لا أقدم على هذا العمل، ليس لأن يوسف يستحق ذلك، بل لأني مدين له بذلك وأكثر.
من محطات مسيرة يوسف الطويلة محطة له في السبعينيات عمل فيها مدرسا شهد بكفاءته وتفانيه في عمله أبناء مدارس الحد وقلالي وإحدى مدارس المحرق لا أتذكرها ولعلها عمر بن الخطاب، هذه المحطة الزمنية نحتت في وجدانه الصرامة في الدفاع عن حقوق العمال والموظفين؛ حيث كان من مؤسسي اللجنة التأسيسية لاتحاد عمال وموظفي المهن الحرة في البحرين، وانتهج في ذلك الخط الماركسي الذي كان وفيا له حتى لفظ أنفاسه الأخيرة. ولطالما قارن المرحوم بين توجهات وأفكار من كانوا معه في هذه اللجنة التي حملت هم الوطن واسترشدت بهموم مواطنيها، وبين أفكار الطائفيين الذين يعلمون بأنهم لا يعملون من أجل الوطن ولكنهم يمارون وعلى تابعيهم يكذبون، فيوسف كان وطنيا صادقا علق هوى البحرين بكل جوارحه.
يوسف كاد يصبح لفرط حبه الوطن رمزا وشخصية اعتبارية نعاها من أحبه ومن لم يحبه في الوطن؛ غير انما أثار انتباهي هنا النعي الذي أصدره المنبر التقدمي غداة سماع نبأ الوفاة، لم يثرني النعي في حد ذاته وإنما وصف خطاب المنبر يوسف بالرفيق وهو الذي لم يكن عضوا فيه ولم يكن من مناصري طروحاته خصوصا بعد أحداث فبراير 2011، بل على العكس من ذلك؛ إذ كان معارضا له على طول الخط وذلك لما كان يظنه ويردده من أن توجهات «المنبر» مذ تلك الواقعة اللعينة التي حدثت في الدوار منصرفة لخدمة المعممين، رغم أنه صريح الطرح بأنه من المنتمين لجبهة التحرير.
المحطة الثانية فتمتد من الثمانينيات، وهي فترة دراسته الجامعية في موسكو، في ذاك الزمن تعززت علاقتي بيوسف، واكتشفت فيه ثقل الموازين الإنسانية مقارنة بضآلة جسده ونحوله وصغر تطلعاته على المستوى الشخصي. كان قنوعا حد الشبع، وحالما بواقع أفضل حد التحليق بعيدا في سماوات العدالة الاجتماعية وسيطرة سلطان العقل والعلم على البشر كافة!!
يوسف يتيم من بعد سنة 2000 كان تواقا لإكمال عمل فلسفي وآخر أدبي، فضلا عن أمنية تولدت لديه بشكل متأخر وهي دراسة الدكتوراه، التي لو كان بحق يريدها لكان قد حصل عليها في وقت مبكر. كان الرجل على درجة عالية من الذكاء والنباهة وسعة الأفق، إلا أنه لم يوظف كل ذلك لتحقيق ثراء شخصي كان مشروعا بكل المعايير لإنجاز تلك المشاريع كانت تعوز يوسف العزيمة على ترك شيء والانكباب على شيء آخر، أو تسبيق الأولويات وتأخير ما ينبغي تأخيره، ولكن ذلك لم يحدث فأصبح بحق سيد المشاريع المؤجلة.
يوسف يا قطعة من ذاكرتي ورجلا صديقا حجبه الثرى عنا جسدا أعلم يقينا أن العين لن تكتحل بمرآك؛ لأن الموت حق وقانون طبيعي يطال بحتميته كل شيء حي، ولكني في الوقت ذاته موقن بأنك حاضر في هواء البحرين نتنفسه بملء الرئتين وفي ثراها نبضا حيا أبد الدهر لأنك من المؤمنين بأن الأرض التي آوت جلجامش تنحت للخلود معنى جديدا لعلك واحدا من عناوينه.. لن أختم حديثي عنك بتحية الوداع لأنك حي فينا وبنا ومعنا. لم يكن يوسف ما بعد عام 2000 هو نفسه يوسف ما قبلها، لقد مات طفلا عمره خمسة وستون ربيعا!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا