النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11026 الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

هافانا وواشنطن ورقصة التانغو

رابط مختصر
العدد 9622 الخميس 13 أغسطس 2015 الموافق 28 شوال 1436

عندما كتب الشاعر خوسيه مارتيه في اواخر القرن التاسع عشر «ماذا كنت سأكتب لو لم أنزف دما» لم يكن يدرك ان النزيف الكوبي سيظل قائما حتى الان وبأشكال وطرق أخرى، فالحصار الطويل الظالم من دولة عظمى تتبعها دول قارية وعالمية في محاولة قهر نظام سياسي انتهج طريقا مختلفا، ويومها لم تكن حقوق الدول ولا الانسان قائمة في خياراتها، لأن الدول الكبرى القطبية المتصارعة، وجدت نفسها منسجمة مع صراعها الايديولوجي والسياسي والحقوقي، ما انعكست سلبياته وصراعاته على تلك الانظمة والدول الصغيرة مثل كوبا، والتي نتيجة الحقبة التاريخية اختارت الاشتراكية نظاما ومنهجا وحياة.
لم يكن التاريخ يتحرك وفق الرغبة الكوبية، فمع انهيار موسكو المركز الثوري العالمي للثورات والانظمة، كان على تلك الدول ان تتكيف وتتهيأ لمرحلة صعبة وعسيرة على اقتصادياتها، وجد الفيتناميون طريقهم وكسروا عزلتهم بفتح بلدهم للاستثمارات الاجنبية مع دور رقابي للحزب ومؤسسات الدولة، فيما كوبا ظلت معاندة، مكابرة، حتى على حساب مفهوم ان الثورة والنظام الاشتراكي يبقى افضل «بالفقر المتساوي بين الشعب» المهم هو توفير العدالة للجميع في التعليم والصحة والسكن والفرص الاخرى كالثقافة والرياضة والمواصلات الرخيصة بحيث تنسجم مع الاجور المتدنية بأرفف مخازن فارغة، ولا يهم بعد ذلك كيف تمضي حياة المواطن الكوبي واين تنتهي احلامه في عصر التحولات الكبرى.
ونسى النظام ان الجانب الاقتصادي ليس وحده مفتاحا سحريا لحل جميع المعضلات، فهناك قضايا سياسية وحقوقية وفردية وإنسانية، لن تجدي محاولات الحزب اليائسة من تجاوز معضلاته بالشعارات الجدارية والاغنيات الحماسية ولا بتلك النوستالجية في تحقيق عدالة متكاملة متساوية، فجزء كبير من ميزانية الدولة تصرف على الجيش والمؤسسات الامنية، ما ينعكس على الانفاق العام والتنمية ومستوى المعيشي للناس وتحسنه وتطور مستواه المتسارع، فكل شيء في كوبا بطيء الا رقصة السلسا والرومبا والايقاعات الكوبية المجنونة الاخرى!! لم ينهر النظام الكوبي اتوماتيكيا مع الانهيار الكبير لانه تاريخيا لم يقم ويدشن بالجيش الاحمر وانما بثورة شبابية مسلحة جاءت من المكسيك، ولو عاد التاريخ ليومنا هذا فلن يكون بامكانية 81 شابا يلهبهم الحماس والحلم استلام السلطة. من يعرف ان رقصة التانغو لا يمكن ان نرقصها فرادى فهي ثنائية في الحركة والاسلوب والشكل، ولابد من تناغم وانسجام الراقصين في توافق تام، فهل بامكان كوبا وواشنطن، واوباما وراؤول، بكل الاختلافات التاريخية والراهنة على تجاوز نفسيهما ونظاميهما بحيث تصبح خطوات الرقصة متوافقة تتماشى جنبا الى جنب مع حركة الراقصين بعد طلاق دام اكثر من نصف قرن من العزلة والحصار، كيف بامكان كوبا نسيان عدوها الذي حاصرها بهدف اركاعها وتدميرها، وظل يحفر لها بكل ما أوتي من قوة واساليب (هناك في كوبا متحف خاص بكل المحاولات الامريكية لاغتيال كاسترو، حيث فشلت 30 محاولة لاصطياده)، وكيف بامكان الولايات المتحدة نسيان فزعها من الجزيرة الصغيرة التي كانت يومها مركز الحركات الثورية في كل قارة امريكا اللاتينية والعالم الثالث، وشكلت قلقا مستمرا لها في حقبة الحرب الباردة. يظل رمز فيديل كاسترو مهما في جمع الشتات الداخلي للحزب والشعب، فبقاء الحوت الكاريبي حيا يعتبر مخزونا لموروث ثوري في ذاكرة الشعب الكوبي، و لكن لا يعرف أحد كيف ستعيش كوبا بلا فيديل!! ان انتقال السياسة الامريكية من الحصار الى الانفراج والانفتاح التدريجي بتطبيع العلاقات الدبلوماسية لا يعني تبدل نوايا واشنطن نخر النظام بهدوء ومن مناطق قابلة للتآكل، وحسب تصريح راؤول كاسترو في مؤتمر قمة كوستاريكا «كل شيء يشير فيما يبدو الى ان الهدف هو إثارة معارضة سياسية مصطنعة، غير الوسائل الاقتصادية والسياسية وعبر وسائل الاتصالات، اذا لم تحل هذه المشاكل فسيكون التقارب الدبلوماسي بين كوبا والولايات المتحدة بلا معنى».
والتقارب بين طرفين يتطلب تنازلا كتسويات مرضية بعد ازالة جدار عدم الثقة التاريخي، فراؤول طلب رفع اسم كوبا من لائحة الارهاب وقد تم ذلك، وبضرورة إعادة قاعدة جوانتانامو الامريكية البحرية لسيادتها، فيما كان الجانب الامريكي مهتم بمسألة حقوق الانسان وحرية التعبير والتفكير كحرية الانترنت والاحزاب وغيرها. إن لم يستوعب راقص التانغو الماهر انها رقصة ثنائية، فإن الانسجام والتناغم لن يحقق للشعبين والبلدين رقصة ناجحة، وستتعثر الخطوات بايقاعاتها وعناقها الدافئ، غير أن قوة الدفع الموضوعي العالمي لها قوانينها المؤثرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا