النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

بيان العلماء الخمسة

رابط مختصر
العدد 9581 الجمعة 3 يوليو 2015 الموافق 16 رمضان 1436

 بدايةً، فليعذرني أصحاب الفضيلة العلماء الذين أصدروا بيانا يسجلون فيه إدانتهم وشجبهم الشديد لجريمة التفجير الإرهابي الذي وقع في مسجد الصادق بمنطقة الصوابر بدولة الكويت الشقيقة، فليعذرني الأفاضل لأنني لن أصفهم بكبار العلماء كما وصفهم الموقع الإلكتروني لجمعية «الوفاق»، وهذا بالطبع ليس تقليلا من شأنهم حفظهم الله جميعا، ولكن لأن استخدام مثل هذا الوصف كان ممكنا لو اشترك علماء آخرون من المذهب الآخر مع مصدري هذا البيان، ذلك أن صفة كبار العلماء كما أطلقها موقع «الوفاق» الإلكتروني تبدو وكأنها شبه حصرية على موقّعي البيان دون غيرهم، كما أنها صفة غير منطقية حتى بالنسبة إلى علماء المذهب الواحد، فما بالك والموقع قد حصر الصفة في خمسة علماء فقط هم الموقعون على البيان. كان حريا بالموقع أن يُنسب فيستخدم كلمة بعض، لكي لا يلتبس الأمر على القارئ، إلا إذا كان إسقاط «بعض» موجها ومقصودا من جمعية علمتنا أن مصدر الحق لا يأتي إلا من قبلها!
 ثمة استدراك يطرح نفسه وأضيفه إلى ما تقدم في صيغة سؤال ينبغي توضيحه هنا وهو: ألا يعتقد هؤلاء العلماء الأجلاء أن بيانا كهذا قد يبعث على الحيرة عند القارئ، إذ سيحفز مثل هذا الوصف على ظهور تساؤلات من قبيل: عمن يعبر هذا البيان؟ وما الصفة التي يحملها مصدروه؟ ولربما يقول قائل إنه يعبر عن العلماء الخمسة أنفسهم، وهذا صحيح. لكن المتعارف عليه أن البيان تصدره منظمة سياسية، أو حكومة، أو مجلس اعتباري أو أي تجمع مصرح له، لكن أن يصدر عن أفراد نُصبوا أو نصبوا أنفسهم ناطقين باسم علماء البحرين ومشايخها شيعة وسنة فهذا أمر غريب، حتى وإن كنا في هذا المقام نتفق هنا مع كل ما جاء في هذا البيان، وإن كان ذلك في اتجاه آخر غير ذاك الذي يسكن رؤوس مصدري هذا البيان. أخال أن قولا كهذا يحتاج مني توضيحا، فالإرهاب مُدان مبدئيا أنّى كانت أشكاله وحيثما كانت قبلته، ومعالجته أصوليا تحتاج منا إلى التفكير الجاد في أسبابه بمعزل عن واهي التبريرات التي يسعى أصحابها إلى تسجيل أهداف في مرمى الآخر المختلف مستغلين الإدانة الجماعية للإرهاب ومروجي ثقافته من الحالمين ببدائل ثيوقراطية قد تختلف تلويناتها ولكنها في النهاية واحدة لأنها لا تدين إلا بمبادئ قطع رقاب المخالفين وإبادتهم.
 ورغم أن كثيرا مما تضمنه بيان سماحتكم يخدم السلام، ويُروج إلى فضيلة التسامح، إلا أن القارئ له يجد بأنه تعتريه كثيرا من المباشرات والإيحاءات المفضية إلى أن مصدر الإرهاب واحد، ويتمثل هذا المصدر في الجماعات التكفيرية السنية. علما بأن الواقع ينطق بغير ذلك ويُصرح بوجود جماعات دينية شيعية إرهابية، ويأتي في مقدمتها «حزب الله»، ويليه بعد ذلك باقي المنتمين إليه فكرا ووجدانا، ومنهم الجماعات السياسية التي تنتهج الإرهاب مذهبا تمارسه على أوسع نطاق. إن المجتمع البحريني قاسى كثيرا من ارتكابات هذا الإرهاب، فأين خطابكم عن هذا الإرهاب قبل بيانكم؟
 ثم إنني لا أجد مبررا لتضمين بيانكم تشكيكا ظاهرا في نوايا الحكومة والجهات الأمنية التي تبذل ما في وسعها لمنع الأذى من أن يقع على أي فرد على هذه الأرض الطيبة، فليس عسيرا على قارئ هذا البيان من أن يكتشف ذلك. إن هذا التشكيك بين وواضح كما صغتموه في الفقرة الآتية: «لا تكفي بيانات الشجب الخجولة والإجراءات الشكلية القاصرة التي لا تؤسس لمواجهة حقيقية، ولاستئصال جاد لمكونات ومنتجات الفكر المتطرف، ونزعة الإرهاب في مجتمعات المسلمين. وبالمقابل فإننا ندعوكم إلى اتخاذ كافة أشكال الإجراءات العملية التي تدعم جهود الحكومة والجهاز الأمني، وذلك بتكثيف العمل التوعوي الذي يُكرس المحبة بين أفراد الشعب، وينبذ العنف المستشري في أوساط مراهقي الدوار وقادتهم الذين يجوبون القرى في سعي منهم لإحياء ما مات!
 حكومة البحرين وشعبها عبروا عن الشجب والإدانة، وأفاضوا في مشاعرهم المحبة للكويت حكومة وشعبا، ولضحايا التفجير الجبان الذي خلف الحزن والألم بعد أن أودى بحياة أبرياء وترك الحسرة تعتصر قلوب أهاليهم ومحبيهم. كيف لا يكون موقف البحرين كذلك وهي من أول الدول التي انقض عليها الإرهابيون وعاثوا فيها فسادا وخلفوا ضحايا ويتموا أسرا. وقد عبر الكثير من المواطنين على كافة المستويات بأن الإرهاب ينبغي أن يستأصل، وقد أشاروا فعلا كما أشار بيان فضيلتكم إلى أن السبيل «لمحاصرة البيئات والمحاضن التي تفرخ الإرهاب والإرهابيين والتطرف والمتطرفين والعبث والعابثين» ووقف التدهور للحالة الأمنية، هو تهذيب «المناهج» وترشيد «الإعلام» وتنقية المنابر وترشيد الخطابات الدينية لتكون باعث سلام وطمأنينة وتآخ بدلا مما صُيرت إليه من أشكال خطابية وقعها على سلامة النسيج الاجتماعي وقيم التحابب والسلام أشد من وقع الحسام المهند، فهي سم زؤام يفتك بكل المثل الإنسانية العليا التي لا يختلف فيها اثنان.
 ولكن تعالوا نستحضر وإياكم بعضا من الحوادث التي أسيلت فيها دماء بريئة في البحرين، وهي حوادث لم نسمع فيها صوتا يدين ولا بيانا يشجب وإنما كل ما كان يسيطر على الفضاء هو صمت القبور المريب الذي يكاد يذكرنا بالعبارة المأثورة «الصمت عنوان الرضا». بل وعلى العكس مما كان مرجوا منكم، كانت المنابر تجأر بالتحريض، وإن نسينا كثيرا منها فإننا لن ننسى صرخة «اسحقوه» التي أعقبها عنف أودى بحياة بعض من قوات أمننا البواسل الساهرين على زرع الطمأنينة وتأمين حياة المواطنين والمقيمين، وهو ما يؤكد قناعة أظنها باتت جماعية بأن الإرهاب في وجهه المتأسلم لا يتحرك إلا في ضوء خطابات تتحول عقائد بمجرد التباسها بالمقدس وفضاءاته الرمزية.
 رمضان كريم فاستغلوا روحانياته في توطيد اللحمة الوطنية. وأتمنى من كل قلبي أن نقرأ بيانا جامعا لعلماء الدين البحرينيين من المذهبين ليساعد الحكومة ورجال الأمن على اقتفاء أثر الإرهاب أينما وجد وحل في مدن وقرى البحرين ودحره قبل أن يصل إلى بيوتنا، حتى نصف هذا البيان بأنه بيانا صادرا من كبار علماء البحرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا