النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

إن هم قزمت أهدافهم قزموا

رابط مختصر
العدد 9454 الخميس 26 فبراير 2015 الموافق 7 جمادى الاول 1436

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا صلاح أمرك للأخلاق مرجعه فقوّم النفس بالأخلاق تستقم إذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتماً وعويلاً تفرض هذه الأبيات من قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي نفسها على المواطن العربي المتابع لأوضاع الأمة وسلوكها. ولم يعد بحاجة كي يوسع أفقه فيتناول المقولة من زواياها الحضارية / الثقافية الواسعة الأفق، كي ينظر في أخلاق العرب من جوانبها المختلفة، يكفي أن يحصر نفسه في السلوك السياسي العربي، كي يكتشف مدى الانهيار في القيم السياسية وتدهورها حتى تحولنا من المجتمعات الإنسانية التي يحق لنا الانتماء لأفضلها وأكثرها رقيا، إلى ما يقترب كثيرا من الكائنات الأخرى. ولعل سبب ذلك، يعود في بعض جوانبه وجوهره إلى «تقزم» المشروعات العربية، او بالأحرى الأهداف القومية العربية، ومن ثم انعكاسها على قيمهم السياسية، ومعها خططهم المرافقة لها. لسنا بحاجة إلى الغوص عميقا في التاريخ كي نكتشف ذلك «التقزم». يكفينا العودة إلى نهايات الحرب الكونية الثانية، حينها، وعلى المستوى القومي العربي الشامل، كانت هناك العديد من الحركات القومية، ربما كان «حزب البعث العربي الاشتراكي»، أحد أبرز تجسيداتها. تأسس «حزب البعث» رسميا بانعقاد مؤتمره الأول في دمشق في 7 أبريل 1947. لكنه سرعان ما انتشرت خلاياه المنظمة الملتزمة بفكره وعقيدته واستراتيجيته ذات الطابع الشمولي، في العديد من البلدان العربية بما فيها بعض البلدان الخليجية مثل البحرين، والكويت، بل وحتى عمان. رفع الحزب شعارا عملاقا هو» وحده حرية اشتراكية «. لسنا هنا بصدد تقويم الحزب وتناول مسيرته من جوانبها المختلفة، فما هو مراد به هنا أن تلك الشعارات كانت تحتضن في ثناياها مشروعا قوميا عملاقا يطمح إلى توحيد الشعوب العربية في دولة واحدة حديثة، تملك رؤية اقتصادية متقدمة، ترتكز على مفاهيم قيمية معاصرة. ثم جاءت الثورة الناصرية التي حملت هي الأخرى شعارا شبه مطابق لشعار حزب البعث، لكنها اختلفت معه في الأولويات، عندما تبنت شعار «حرية، اشتراكية، وحدة». وبغض النظر عن ذلك الترتيب في الأولويات، حملت الناصرية في جوهرها مشروعا عربيا عملاقا طموحا يهدف إلى تكريس الحرية، وبناء الاشتراكية، وإقامة الوحدة العربية. دعوات «حزب البعث»، ومفاهيم «الناصرية»، انتشرت في جسد الوطن العربي، مما اعطى العرب الزخم الي يحتاجونه كي يتموضعوا على خارطة العلاقات الدولية، ونجحوا كي يشكلوا ثقلا ملموسا في كفتي قطبي الصراع الدولي المحتدم حينها بين الكتلة الغربية الرأسمالية، والكتلة الشرقية الاشتراكية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل كانوا ركنا أساسيا في حركة عدم الانحياز، الذي كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أحد أركانها. كانت تلك الحركة مدخلا دوليا جديدا يحاول ان يتحاشى الانحياز لأي من الكتلتين المتناحرتين. كما نجح العرب خلال فترة الخمسينات ومطلع الستينات من اجتثاث جذور الاستعمار القديم، من اليمن جنوبا حتى الجزائر شمالا. حتى المشروع الصهيوني بدأت حركة التحرر العربية مسيرة التصدي له من خلال انطلاقة حركة التحرير الفلسطينية «فتح»، التي نفضت عن نفسها عباءة التشرد واللجوء واستبدلتها ببندقية الثورة والصمود. أين نحن اليوم من كل ذلك النهوض الذي تم الراجع عنه رغم بروز بعض العناصر التي كان من شأنها، فيما لو استغلت بشل منطقي أن تعزز من الحضور العربي، بدلا من تقزمه. نكتفي بالحديث عن اكتشاف النفط بكمياته الهائلة انتاجا والضخمة مخزونا، الأمر الذي وضع بين يدي العرب ثروة استراتيجية عالمية على أكثر صعيد، ربما الأهم من بيها الجانبين الاقتصادي والعسكري. ما نشهده اليوم من تراجع الحضور العربي على خارطة العلاقات الدولية، يثير شيئا من الدهشة والكثير من التساؤل. فقد تحولت الساحات العربية المختلفة ليس حاضنة، لما أصبح يعرف في القاموس الدولي باسم «الإرهاب»، بل مجتمعا مصدرا له لكل أنحاء المعمورة. وما هو أسوأ من ذلك بتنا نشهد تطور فنون تجسيد ذلك الإرهاب في طرق عمليات التصفيات الجسدية التي تمارس الجماعات «الإسلامية»، في مناطق عربية تمتد، مرة أخرى من الجزائر حتى اليمن. أبشع أشكال القتل الجماعي، وبطرق تبدأ بحرق الإنسان حيا في قفص، ولا تقف عند رص مجموعة من البشر على أحد الشواطئ وتصفيتهم في عملية ترفضها الأذهان وتقشعر لها الأبدان. ليس هنا مجال التشكيك في مدى صحة أو «فبركة»، كل ما تتناقله الوسائط الإعلامية، حديثها والتقليدي منها، وليس المقصود أيضا التصدي للدفاع عن الإسلام والمعتقدات الإسلامية، فلكل واحدة منها الجهات المختصة التي ينبغي عليها ويفترض منها ان تقوم بذلك. فما هو أهم هنا هو أن تلك التهمة أصبحت لصيقة بالعرب دولا وشعوبا. وفي سياق تصديهم لنفي هذه التهم عنهم، والإستماتة من أجل تغيير صورتهم التي باتت مرافقة لكل أشكال الإرهاب والعنف المصاحب له، دخل العرب في نفق ضيق حجم تفكيرهم، وحصرهم في دائرة أضيق ما يمكن، بحيث أعماهم عن رؤية الصورة الكبيرة، واكتفوا برؤية أجزائها القزمة المبتورة من الأصل. وكلما ضاقت تلك النظرة، وتقعرت بؤرتها، كلما قزمت المشاريع العربية، وتقزم العرب معها، سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه. حتى تحولت الرؤية من تلك العربية الشاملة إلى القبلية أو الطائفية أو حتى الفئوية الاصغر من أي منهما. بهذه الحالة المزرية أصبح يحق للمواطن العربي أن يكرر شطرا من قصيدة أمير الشعراء بعد أن يحرف فيها فيقول: «إن هم قزمت أهدافهم قزموا» فليس هناك من ينكر أننا اليوم ليس أكثر من أقزام مقارنة بالأمم الأخرى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا