النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

تأمّلوا... وقارنوا

رابط مختصر
العدد 9448 الجمعة 20 فبراير 2015 الموافق 1 جمادي الاول 1436

القتل بمختلف وسائله وطرائق فعله حالة اعتداء على إنسان آخر تسلبه حقه في الحياة، وهو أسمى حق إذا جاز لنا أن نُفاضل بين الحقوق، وهو ما يعني منطقيا ألا نجد للقتل مروجين ومبررين ومدافعين أيا كانت الذريعة أو المقاصد؛ فالقتل جريمة بشعة يتحول معها الإنسان مسخا فيكف عن أن يكون إنسانا. هذا التوصيف يجعلني أستحضر ما كتبه الشاعر العربي نزار قباني في رثاء بلقيسه، بلقيس الراوي، التي راحت ضحية سياسات عربية رثة ومواقف متناقضة، اتهم نزار في مرثيته أمة تتوهم أنها خير أمة أُخرجت للناس بالقتل فقال: ها نحن يا بلقيس.. ندخل مرة أخرى لعصر الجاهلية.. ها نحن ندخل في التوحش.. والتخلف.. والبشاعة.. والوضاعة.. ندخل مرة أخرى.. عصور البربرية.. بهذه الخلاصات الكارثية في التحول من الجنس البشري إلى قطيع يصف الشاعر نزار قباني حال العرب. فهل نحن أمة مجبولة على ألا تبارح منطقة الأحزان، وعلى ألا تبتعد عن مربع الآلام؟ هل ستظل هذه الأمة أبدا غارقة في دموعها ودمها من شدة وطأة الأوجاع والجراح؟ وإن كنت أعرف أن للعامل السياسي نصيبا من أثر ذلك بنفس القدر الذي للعوامل الأخرى مثل الاقتصاد والمعتقد والفكر وغيرها، إلا أنني لا أدعي قدرة شخصية على الإجابة عن هذه الأسئلة، لا عن السؤال الأول ولا عن الثاني ولا عن غيرهما من الأسئلة الأخرى الكثيرة التي تبحث في سر احتباس هذه الأمة في بيئتها الحزينة، وعن موعد مجهول مع شيء اسمه الفرح وقد نسيه العرب منذ زمن بعيد، ولكن ما أستطيع أن أتجادل حوله هو أن كل هذا الكم من الأحزان وهذه الآلام إنما هي من صنع بعض العرب ضد بعضهم الآخر، وهذه طريقة العربي التي اختارها بنفسه عن سبق إصرار وترصد؛ ليعز بها نفسه ويذل العربي الآخر. إنها درب مفتوح للاقتتال، إنها طريقة أقرب إلى الانتحار الجماعي. أدعوك قارئي العزيز إلى أن تتأمل معي هذه الصورة النمطية للعرب القادمة من عمق التاريخ، وعمرها أكثر من 1400 سنة، إنها الصورة التي كُتب على هذه الأمة العيش على ضفاف منسوب خزانها التاريخي النازف حزنا وألما، وأدعوك إلى مقارنة تلك الصورة مع صور مختلف المجتمعات الإنسانية الأخرى. تلك المجتمعات التي مرت بلا شك بما مرت به أمة العرب؛ ولكنها استفادت من تجربتها وتجاوزت ما اعترضها من صعاب في طريق تقدمها وبنت كياناتها دولا مستقرة بعد أن اختارت الديمقراطية مذهبا حاسما في تسيير مجتمعاتها. حدث ذلك بعد أن رأت هذه المجتمعات أن السياسة والاقتصاد والفكر والمعتقد وغيرها بؤر اختلاف لا ينفع معها الاستئثار بالرأي، وهذا ما لا نراه في مجتمعاتنا العربية التي تدعي كل مجموعة عرقية أو دينية أو مذهبية بأنها هي الأفضل، وتنسج أوهاما تسربلها بحلة المقدس زاعمة أنها الفرقة الناجية وأن السلف الصالح قد عمدها سبيل خلاص أوحد لأمة ضحكت من جهلها الأمم. الغريب أنه كلما مضى بنا الزمن أكثر وخلّف وراءه حوادث باتت مسطرة بمداد الدمع في سجلات التاريخ نرى الأمور تسوء أكثر وأكثر. فها هو جيلنا والجيل الذي يعقبنا يعيش حالات من العنف غير مسبوقة. وقد صار معلوما أن القوى التي تحرك العنف وتدعو إليه قوى ثيوقراطية. كان الإخوان المسلمون ومن ثم القاعدة و«داعش» من بعدهم، و«الوفاق» مع شقيقاتها في البحرين، وهم كلهم في الهوى عقائديون ثيوقراطيون يختلفون ظاهرا وينتسبون إلى نحلة واحدة عنوانها الجامع الإسلام السياسي. وحيث إنني طلبت منك عزيزي القارئ أن تتأمل معي صورة العرب وتقارنها مع صور الشعوب الأخرى، فلنأخذ صورة العرب القارة في الأذهان انطلاقا من «داعش» بصفتها مستأثرة بالإعلام هذه الأيام. ومن منا يستطيع أن ينسى هوسها المقيت بإخافة الناس وبث الذعر في نفوسهم. ففي أقل من أسبوع شاهد العالم «الدواعش» – جمع التكسير هذا لغة وممارسة وهم يقومون بحرق بشر، بحرق الضابط الأردني معاذ «الكساسبة»، وما كان من شعوب العالم وحكوماته إلا أن تنادوا جميعا عبر الإعلام يذرفون الدمع على لحظة فراقه، لكن المغدور به راح إلى ربه حاملا غضب اللحظة التي نُحر فيها ومعها وحشيتها وألمها. وكأن حجم الألم والحزن لم يلهب كل المشاعر، ولم يرتو هؤلاء الدواعش من القتل فذهبوا بعيدا في سلوكهم المنحرف غير الإنساني وتجرؤوا بأسلوب آخر، وهو الأسلوب الأثير لديهم، على ذبح واحد وعشرين مصريا دفعة واحدة، لم يتوافر من سبب عند ذابحيهم إلا أنهم أقباط، وكأن مارية القبطية التي وهبت الرسول محمدا ابنه الوحيد إبراهيم لم تكن وكأن الرسول لم يقل في أهل مصر وسكانها الأصليين من الأقباط أنهم أهل الكنانة وأنهم خير أجناد الأرض. «داعش» في هذا الإطار تجاوزت كل الحدود، وهوت بالمشاعر الإنسانية إلى الحضيض الحيواني، وأضافت إلى مآسي هذه الأمة وشاحا دمويا وحشيا لم نجد له نظيرا إلا في ما تناوله المؤرخون من وقائع كشفوا فيها همجية المغول ودموية التتار وصلف النازيين واستهتارهم بكل من خالفهم الانتساب إلى الجنس الآري. إن إشارتي إلى العرب المغدور بهم على أياد عربية، واتياني بـ«داعش» مثالا لا يعني أن الذين راحوا ضحية لغلو هذا التنظيم من غير العرب ليسوا محل اهتمام. كل البشر في القيمة الإنسانية سواسية، ولا نستثني في ذلك الهجمات الإرهابية التي حدثت في أوروبا مثل باريس وكوبنهاجن، لكن الحديث يجري عما يحدث للعرب على أيادي العرب وفي بلاد العرب، من غير أسباب. العربي دائما محل شبهة، وهذا في حد ذاته مصدر قلق يفتح الأفق واسعا للبحث عما يغير هذه الصورة. لن نتحدث كثيرا عما يدور في خارج أراضي العرب، فتعال نتجول معا، عزيزي القارئ، داخل الوطن ولنطل من نافذتنا على شوارع قرى البحرين التي للتو فرغت مما يمكن أن نسميه أجواء حرب من صنع ما تمليه العقيدة المذهبية السياسية لمن استسلموا للأوامر والدعاية الإيرانية، وعلى نوايا الإرهابيين الذين كانوا يتقصدون رجال داخليتنا الذين يضحون بأنفسهم من أجل أمننا بأبشع صنوف القتل، ألا وهو الحرق، أسلوب «داعش» ذاته الذي كان أسلوبا مستخدما لدى «الوفاق» وجماعتها قبل أن تتعرف عليه «الدواعش». فلنركز بمجهر العقل والموضوعية في نفوسنا لنستخرج الدواعش المسكوت عنها فينا علنا نتطهر منها ونظفر بخلاصنا المنشود.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا