النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

التسامح ضالتنا!!

رابط مختصر
العدد 9427 الجمعة 30 يناير 2015 الموافق 8 ربيع الآخر 1436

إذا كان الاختلاف هو النتيجة المنطقية للتعددية والتنوع، فإن التسامح هو غذاؤهما معا، وهو السقيا التي من دونها يتحول كل من التعددية والتنوع إلى زرع عوده يابس يسيرٌ كسرُه. ومن هذه الرؤية فإن التسامح يغذي التعددية ويصون التنوع ويرعى الاختلاف. وأحسب أن أشد ما يحتاج إليه مجتمعنا البحريني اليوم هو توسيع هامش التسامح بين مكوناته. إن الملاحظ للحراك الاجتماعي اليوم تترسخ لديه القناعة بأن مجتمعنا البحريني آخذ في التعافي نظرا لعودة الوعي بين أبنائه وتشغيل قيمة التسامح بين مكوناته الاجتماعية. فمجتمعنا المتنوع يحتاج منا العمل على ترسيخ هذا المفهوم لكيلا تتحول اختلافاتنا إلى خلافات تستفيد منه اقوى ذات مذهبية، كما استفادت من ذلك الجمعيات المذهبية وعلى رأسها جمعية «الوفاق». في اعتقادي، أن هناك علاقة شديدة بين التنوع بأبعاده الإنسانية والعرقية والجنسية والفكرية، كوضع طبيعي للوجود المادي بتلامسه مع حقائق الواقع ومعطياته في هذه الأبعاد، والاختلاف من حيث هو نزعة إنسانية تنشد الكمال وبلوغ الحقيقة من مداخل متعددة؛ إذ يستحيل قبول التنوع من دون التسليم بالاختلاف والإقرار بالتعددية؛ ذلك أن الاختلاف هو نتيجة طبيعية للتنوع، وقبوله والرضا به هو أحد أوجه نجاح الديمقراطية. ولضبط العلاقة بين التنوع والاختلاف، فإن رابطة أخرى ينبغي استلالها من جدلية تلك العلاقة؛ لإيجاد صيغة إنسانية تؤلف بين المتناقضات، وأعني بهذه الصيغة التسامح، تلك المفردة القادرة على حمل مجتمعنا البحريني على تجاوز صعوبات المرحلة السوداء في تاريخه والانتقال السلمي لفضاء الديمقراطية عبر الحوار بصفته الصيغة الأمثل لحل المشكلات، ولذا وجب تعميم ثقافة الحوار في كل مناحي الحياة. إن التنوع والاختلاف لا يستقيمان في المشهد الإنساني إلا مع تكرس التسامح قيمة إنسانية أساسية، يرجع أمر غرسها وضرورة سيادتها إلى جانب وزارة التربية والتعليم التي ما انفكت تحشد له الإمكانيات في المناهج والمواد التعليمية والأنشطة الصفية واللا صفية وخصوصا من بعد أحداث الرابع عشر من فبراير 2011، وفي هذا الإطار تقتضي الضرورة التنويه بدور المؤسسات الدينية، مساجد ومآتم وحسينيات وحتى المناسبات الدينية، في هذا الجانب. ولعله من المناسب القول هنا، مع الأسف الشديد، بأن أكثر المآسي التي تكتوي بها المجتمعات العربية والبحرين إحداها، يكون مصدرها رجل دين يحمل الضغينة لأبناء الدين الآخر أو المذهب الآخر، متوهما أنه من الفرقة الناجية وأن مفاتيح الغيب والجنة والدنيا والدين بيده وحده. والدور نفسه ينبغي أن تقوم به باقي مؤسسات الحكومة الأخرى إعلامية كانت أو شبابية هذا دون التغافل عن مؤسسات المجتمع المدني التي عليها مجتمعة أن تتموضع في سياق التغيرات الكبرى التي يشهدها عالمنا اليوم وواقعنا الإقليمي والمحلي؛ فعليها أن تدرس خصائص هذا السياق لتعدل مسارات سياساتها وخطاباتها وأدوارها وتعيد النظر في إرثنا الشعبي المشترك الناضح تسامحا وتعايشا وتآزرا وإيمانا ببحرين واحدة ومتنوعة في آن، فتوظف مستخلص عموم الثقافة الشعبية على ما رحبت به من موروث شفاهي ومحكي، لتستثمر ما فيه من خزين متدفق لا ينضب من المعارف والخبرات التي تورد التسامح قيمة متناقلة جيلا بعد جيل أسهمت في وضع عتبات الأمان ليجتاز الآباء والأجداد مراحل ما كان لها أن تتم من فرط قسوتها. إن التنوع سمة دالة على الثراء الفكري ومجال ثري لخلق ثقافة متميزة، والتاريخ يعطي أمثلته الساطعة وأدلته الدامغة في هذا الإطار. وليست الحضارة الإسلامية إلا الأقرب مثالا والأكثر إرضاء وقبولاً في الوعي العربي الإسلامي، وإن كانت الأبعد فيما يتعلق بامتثالها لمعطيات إيجابية قوامها تشبث المنتسبين إليها بعناصر القوة فيها؛ إذ ان ما يثير التوجس حقيقة ويبعث على القلق تمسك البعض بمعطيات من الحضارة الإسلامية مختلف عليها وفيها، ومحاولتهم بعثها من جديد حتى وإن كانت لا تستقيم مع منطق التطور ولا حتى هي وجه من وجوه السماحة الإسلامية التي احتوت أمما تفاوتت في سلم رقيها الحضاري. إن التنوع الثقافي وزخمه الحضاري الذي تحركت فيه الحضارة الإسلامية، معطية آخذة، قد منحها قديما أفضلية بين أمم الأرض في العلوم والثقافة بمختلف تجلياتها؛ إذ ما من أمة حبست ذاتها في إطار محيطها الثقافي والإيكولوجي تحت شعارات عنصرية متعالية مثل المحافظة على العرق والنوع، أو بدواعي الخوف على الثوابت والقيم، تحت حس متوهم بأنها في مرمى مؤامرات الغير ومستهدفة بالكراهية من بين أمم الأرض، إلا وكانت الخيبة عنوانا لمنجزها، وبالتالي كان مآلها الضمور والتلاشي في بحر من أوهام الفرادة والخصوصية. ولعل القارئ الكريم يستنتج مما سبق أن ثمة من يتقصد ثقافتنا وانفتاحنا وتنوعنا بالإساءة باعتبار أن ذلك التنوع والانفتاح نكوص عن الخط العام الذي يرسمه البعض باللون الواحد وعلى الكل الالتزام به والانقياد لباهت نوره ومجهولات نهاياته. فإذا ما اتفقنا على أن الاختلاف سليل لتنوع ينبغي قبوله، فإننا، بالتأكيد، سنتفق على أن التنوع هو حاصل موضوعي للتعدد الإثني والعرقي وبالتالي الثقافي. تلزمنا ضرورة العيش المشترك على أن نقبل ببعضنا البعض. وفي هذا الإطار فإن الاختلاف بالضرورة ناجم عن مواقف ومرتكزات فكرية وأيديلوجية وفلسفية متباينة دفعت بها الحياة من واقع متغيراتها، وبالتالي فهو إفراز دال على حيوية المجتمع وديناميكيته. ما تقدم يقودنا في المحصلة النهائية إلى القول بأن الواقع في مملكة البحرين يتغير باتجاه التغيير في وعي ظل يعاند ويكابر لفترة أرهقت الوطن، وأضاعت عليه فرصا من التنمية المرتجاة. وللدفع بعودة الوعي هذا إلى سابق عهد العلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة ينبغي أن نوسع من قبولنا للآخر بتوسيع هامش التسامح الذي ترجع له عودة الدفء في العلاقات الاجتماعية الإنسانية بين أطياف المجتمع قاطبة، والنأي عن العصبية المذهبية التي كانت عنوانا صبغ هذ العلاقات لأربع سنوات واستطاعت الجمعيات المذهبية أن تتحرك بحرية في الوسط الاجتماعي في اتجاه بسطاء الناس من الطائفتين الشيعية والسنية. نحن نسير في الطريق الصحيح، أو بالأحرى نحن الآن نصحح المسار. فهنيئا لنا عودة الوعي إلينا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا