النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

البعد الحقوقي لمنظمات المجتمع المدني الخليجية

رابط مختصر
العدد 9391 الخميس 25 ديسمبر 2014 الموافق 3 ربيع الأول 1436

رغم أن توصيف المجتمع المدني، وتحديد أطر مؤسساته بمفهومها الحديث يعود إلى القرن السابع عشر، مع بداية بروز الأفكار الراديكالية التي رافقت الثورة الفرنسية، لكنه اكتسب بعده الحقوقي في القرن التاسع عشر، عندما شدد الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل على أهمية المجتمع المدني ومنظماته في الدفاع عن المصالح الحقوقية للطبقات الوسطى، التي كانت حينها في أطوارها الجنينية، وشدد هيغل آنذاك على ضمان صيانة حقوق الدولة ومؤسساتها من خلال بناء العلاقة السليمة بين تلك المؤسسات ومطالب واحتياجات الطبقة الوسطى. ثم جاءت آلة الحرب العالمية الثانية كي تدمر الكثير من القيم ذات العلاقة بالحقوق المدنية، محاولة فرض سلوكيات الحرب على المجتمع الدولي، الذي تصدى لها حينها بقوة، وكانت محصلتها عودة الحياة للمنظمة الدولية «عصبة الأمم»، بعد ان اكتسبت اسما جديدا هو «الأمم المتحدة»، التي أخذت على عاتقها إعادة المكانة لمنظمات المجتمع المدني من خلال تعزيز أدوارها في بناء جسور العلاقة السليمة بين هيئات المجتمع المختلفة من جانب، وإدارات الدولة من جانب آخر، فجاء الإعلان الدولي لحقوق الإنسان كي يضع هذه المسألة في إطارها الصحيح. وعليه لم يعد دور منظمات المجتمع المدني، كما كان قبل الحرب الكونية الثانية مقتصرا على الجوانب الاجتماعية، بل تجاوزها كي ينخرط في المجالات الاقتصادية بل وحتى السياسية، وواصل مسيرته التي أخذت في الاتساع أفقيا كي تمس مختلف فئات الشعب، وعموديا كي تتفاعل مع مختلف مؤسسات المجتمع، بما فيها شركات القطاع الخاص، التي بات العديد منها يلتزم بمفاهيم وإجراءات ما أصبح يعرف باسم اليوم «المسؤولية المجتمعية للشركات» (CSR). ولم تكن منطقة الخليج بعيدة عن تلك الموجة المجتمعية، فوجدنا الكثير منها يبرز في هيئة جمعيات وأندية، بفضل العوامل التالية: 1. التعليم الحديث: فقد فتح التعليم، أعين مواطني دول الخليج العربي، سواء من تلقوه في الداخل، أو من سافروا إلى بلدان أخرى مثل مصر ولبنان والعراق وسوريا، بل وحتى إلى بعض الدول الغربية مثل بريطانيا، على الكثير من معالم المجتمعات الحديثة، بما فيها تلك ذات العلاقة المباشرة مع أسس بناء منظمات المجتمع المدني. 2. الاحتكاك بالاستعمار، فقد ولد احتكاك مواطني دول الخليج العربي المباشر بالدوائر الاستعمارية، إضافة إلى بروز حاجة هذه الدوائر إلى منظمات قريبة في هياكلها من منظمات المجتمع المدني، إلى زرع بذور فكرة تلك المنظمات، التي انطلقت في البداية في إطار العمل الخيري البعيد كل البعد عن القضايا الحقوقية، والمسائل السياسية. 3. تطور المجتمعات الخليجية ذاتها، بفضل العاملين السابقين، الأمر الذي أدى إلى إحداث تحولات نوعية في فكر، ومن ثم مسيرة الفئات المتنورة في تلك المجتمعات، كان لا بد لها أن تلتفت نحو منظمات المجتمع المدني من أجل سد الحاجات الاقتصادية السياسية والاجتماعية، للفئات المجتمعية التي ولدها ذلك التطور، ومعالجة قضاياها الناجمة عنه. كل ذلك أدى إلى ظهور منظمات المجتمع المدني في منطقة الخليج التي كانت محصورة، في مطلع حياتها، في القطاعين الطلابي والخيري. لكن مع حركة التغيير التي مرت بها البلاد العربية عموما، وتأثر دول الخليج بها، أخذ نطاق عمل منظمات المجتمع المدني في الاتساع كي يشمل الجوانب الأخرى، وفي المقدمة منها الجانب الحقوقي. وفي الآونة الأخيرة، ومع هبوب ما أصبح يعرف باسم «الربيع العربي»، وجدت منظمات المجتمع المدني الخليجية نفسها في مواجهة مسؤوليات غير مسبوقة على مستوى التعقيد ومن حيث متطلبات سرعة وتيرة الاستجابة لها، الأمر الذي ساهم، في مراحل معينة من إرباك حركتها، وساهم في مراحل أخرى في حرفها، ولو بزاوية ضيقة عن طرقها الصحيحة. وذلك يعود للأسباب التالية: 1. الفهم الخاطئ لدى الدولة وإداراتها لمسؤوليات منظمات المجتمع المدني الحقوقية، حيث حاولت حكومات بلدان الخليج العربي، بدرجات متفاوتة، تجريد منظمات المجتمع المدني من حقها في ممارسة دورها الحقوقي، وتكريس نشاطاتها في القضايا الاجتماعية المحضة، واعتبار أي سلوك يخالف ذلك انحراف عن الإطار الذي حددته الدولة الخليجية لتلك المنظمات، يستحق المعاقبة عليه. أدى ذلك إلى التأسيس لعلاقات غير سليمة بين الدولة الخليجية وتلك المنظمات حرمت الإثنين من تبادل المصالح الضرورية لبناء مجتمع خليجي مدني معاصر، يفرضه التطور المدني الذي عرفته المدن الخليجية بفضل النهضة المجتمعية التي أوجدتها الثروة النفطية. 2. الفهم الخاطئ أيضا، لدى القوى المعارضة التي لم تكف عن تسييس منظمات المجتمع الوطني، وخنقها في إطار البرامج السياسية لتلك القوى المعارضة. لم يجرد ذلك الفهم منظمات المجتمع المدني من أفضل أسلحتها وهو السلاح الحقوقي، بل أدخلها في دوامة من المناكفات غير المجدية التي أرهقتها، ومزقت قواها، وحرفت مسيرتها، وحرمت المجتمع من أداء ذلك الدور الحقوقي المتميز والفعال الذي بوسع منظمات المجتمع، دون سواها من القوى المجتمعية الأخرى، بما فيها القوى السياسية المعارضة، من القيام به، وبالجدارة ذاتها. 3. السن الزمني القصير نسبيا لتلك المنظمات، التي لا يتعدى عمر أقدمها إلى فترة الخمسينات من القرن الماضي، الأمر الذي يحرمها من إغناء تجاربها إسوة بنظيراتها في دول أخرى مثل أوروبا. ولا ينبغي أن تقودنا الإشارة إلى قصر زمن التجربة إلى الوقوع في أسر المقولات الداعية للانتظار والرافضة لكل ما هو جديد. فالمقصود هنا فهم العلاقة بين سبب عدم نضج سلوك منظمات المجتمع المدني الخليجية، جراء حداثة عهد القائمين عليها بآليات عمل مثل هذه المنظمات في حقول الحقوق المدنية، الأمر الذي من شأنه تعريضها لبعض الزلات التي يمكن تحاشيها. بطبيعة الحال لا يقتصر نشاط تلك المنظمات على الدائرة الحقوقية، لكن تبقى هذه الدائرة هي الأهم، كونها الأساس الذي تتفرع منه، وتبنى عليه المطالب الأخرى من سياسية واجتماعية واقتصادية، دون أن يعني ذلك فهم ذلك كدعوة إلى إهمال هذه الأخيرة التي تتكامل مع تلك الحقوقية وترسخ خطوات المنظمات التي تتصدى لها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا