النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

مواجهة تغييب دور منظمات المجتمع المدني

رابط مختصر
العدد 9356 الخميس 20 نوفمبر 2014 الموافق 27 محرم 1437

تمارس منظمات المجتمع المدني دورا مميزا في فترات اشتداد الصراعات داخل المجتمعات التي تنشط فيها. وتقع على عاتقها في المراحل المعقدة من تلك الصراعات مسؤوليات كبيرة، تفوق العديد منها، في مراحل معينة، تلك التي تناط بالقوى السياسية المتصارعة. ومن المظاهر الملموسة المحزنة في المشهد السياسي العربي اليوم، وهو يواجه مجموعة من المنعطفات الحادة التي عرفتها المنطقة العربية منذ انطلاق الحراك الذي أشعل فتيله الشاب التونسي محمد البوعزيزي، ضعف، وربما غياب أو بالأحرى تغييب، حضور منظمات المجتمع المدني العربية لتصعيب ممارستها ذلك الدور المتوقع منها. بل وجدناها في حالات كثيرة تتنازل عن دورها الطبيعي، وتنخرط بوعي أو بدون وعي، في لجة الصراع السياسي حتى تكاد أن تصبح أحد أطرافه المباشرين، وتفقد، جراء ذلك، نسبة عالية من دورها المجتمعي، لصالح ذلك السياسي، الأمر الذي من شأنه تجريدها الكثير من أهميتها، ويحول دون قدرتها على الإسهام الإيجابي في حل المشكلات أو اقتراح الحلول المناسبة لها. ولا يحتاج المراقب إلى الكثير من الحصافة أو الذكاء كي يتلمس جوانب الضعف التي تعاني منها منظمات المجتمع المدني العربية. هذه الحالة التي تئن تحتها منظمات المجتمع المدني العربية لها أسبابها التاريخية والمعاصرة التي يمكن إيجاز أهمها في النقاط التالية: 1. الفهم الخاطئ الموروث لدور منظمات المجتمع المدني، الذي ارتبط بحصرها في فئة المنظمات الخيرية المنطلقة من خلفيات دينية محضة. فتقزمت مهماتها وانحصرت في حالات كثيرة في جمع التبرعات، التي تلبس أثواب «التصدق» او «الزكاة»، التي لا تتعدى جمع الأموال وإعادة توزيعها على من يحتاجها، أو تشييد أماكن للعبادة. هذا المفهوم الضيق الأفق لأسس دور منظمات المجتمع المدني، حال دون بروز تلك المنظمات على أسس صحيحة تمكنها من أداء مهامها المجتمعية من منطلقات سليمة. 2. حداثة المفهوم في حد ذاته، فقد وردت إلى المجتمع العربي صيغ منظمات المجتمع المدني بمفهومها المعاصر مع بداية احتكاك العرب مع الغرب من خلال حركة السيطرة الاستعمارية، التي نقلت فيما نقلت إلينا، مفهوما مسطحا لهذا النمط من المنظمات. ومن هنا فإن قواعد بناء هذه المنظمات مايزال رخوا، وهذا يفسر تهاويه أمام أوهى الضغوط التي يتعرض لها، وخصوصا السياسة منها. لهذا وجدنا قطاع منظمات المجتمع المدني يعاني من نفس الأعراض التي تعاني منها الأحزاب السياسية التي اكتفى العرب، في حالات كثيرة بالجانب التنظيمي منها، ولم يتمكنوا من فهم عناصر حياتها الداخلية بما تكتنفه من غنى فكري وسياسي، وتنظيمي أيضا. 3. ضعف الثقافة المدنية القادرة على نقل المجتمع العربي من حالته البدوية المرتكزة على القيم القبلية، إلى تلك المنطلقة من مقومات المجتمع المدني المرتكزة على تعزيز دور المنظمات المدنية مقابل تلك القبلية. ولاشك أن ما نشاهده من تصاعد الجريمة وتعدد أشكالها، وتنامي معدلات النمو السكاني، سوية مع ظواهر مجتمعية سلبية أخرى هي من العلامات البارزة التي تشهد على ضعف هذه الثقافة، ومن ثم انعكاسها السلبي على تأسيس منظمات المجتمع المدني وأشكال ممارستها لمسؤولياتها المناطة بها. 4. الإمعان في تسييس منظمات المجتمع المدني، حيث لجأ العديد من الأحزاب السياسية العربية، سواء من لا تزال تشغل مقاعد المعارضة، أو تلك التي تتبوأ كراسي السلطة على إفراغ منظمات المجتمع المدني من دورها المجتمعي، من خلال تحويلها إلى واجهات سياسية مشوهة وهشة. وأدت سيطرة الأحزاب العربية على تلك المنظمات إلى انغماسها بشكل مفتعل في العمل السياسي، الأمر الذي قاد إلى عدم قدرتها على إجادة ذلك الدور بحكم تكوينها من جانب، وضعف أدائها المجتمعي بفعل طغيان اللون السياسي على أنشطتها من جانب آخر. 5. الانبهار غير المنطقي بنظيراتها الأجنبية، ما أدى إلى تبعية نسبة عالية من منظمات المجتمع العربي العمياء لتلك المنظمات الدولية، عوضا عن التفاعل الإيجابي معها. فتحول الكثير منها إلى ما يشبه الفروع المحلية لتلك الأجنبية. وكانت محصلة هذه العلاقة غير المتكافئة، وخيمة على المستويين الحضاري والتنظيمي، إذ أدى ذلك إما إلى ذوبان منظمات المجتمع العربي في نظيراتها الدولية، أو التعامل معها من منطلقات دونية أفقدتها كل عناصر الندية التي هي في أمس الحاجة لها كي تتمكن من ممارسة دورها على الصعيد الوطني. هنا لابد من التوقف عند تدخل العنصر السياسي، وحرص المنظمات الدولية على تمرير مشروعات دولها السياسية تجاه المنطقة العربية من خلال تلك العلاقة، وبشكل مبطن، ومموه، في حالات كثيرة. 6. عدم توفر مؤسسات التدريب التي تتولى تأهيل الكادر القيادي المحلي القادر على إعادة هيكلة أسس بناء منظمات المجتمع المدني من منطلقات محلية مبدعة، تؤسس لعمل تلك المنظمات من منطلقات صحيحة وعلى أسس راسخة، تأخذ في الحسبان الموروثات الثقافية، وتراعي الخلفيات الحضارية، وتصهرها جميعا في بوتقة معاصرة مع المفاهيم الحديثة المعاصرة، كي تأتي المحصلة منظمة مدنية حديثة عصرية نجحت في هضم القيم الثقافية والحضارية المسيطرة على المجتمع والمسيرة لعلاقات أفراده. مما لاشك فيه أن بناء مجتمع معاصر تمارس فيه منظمات المجتمع المدني العربية دورها الإيجابي المرسوم لها بعناية بحاجة إلى الكثير من الجهد. لكن نقطة البداية تنبع من وجود فئة طليعية عربية متشبعة بأهمية هذا النمط من المؤسسات، تأخذ على عاتقها رسالة توعية المجتمع بهذا الدور الإيجابي الذي تمارسه هذه المنظمات، في نقل المجتمع العربي من حالة البداوة التي يرزح تحت أعبائها إلى مجتمع التمدن، بالمعنى الحضاري لكلمة التمدن، التي يطمح لها. من الطبيعي ان تكون المهمة شاقة، ومرهقة، وبعيدة المدى، لكن رحلة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى. هذا إذا كانت هناك رغبة في مواجهة خطط تغييب دور منظمات المجتمع المدني العربية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا