النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11206 السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:25AM
  • الظهر
    11:32PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

الرهان على التعليم والإعلام والثقافة

رابط مختصر
الخميس 11 ربيع الاول 1431هـ العدد 7626

منذ بدء الخليقة، والمشكلات ملازمة لكافة المجتمعات الإنسانية. فمن سنن التقدم وقوانين تطور الحياة أن يتصدى الإنسان لمشكلاته ويضع الحلول المناسبة لها، ولكن النجاح في ابتكار الحلول الناجعة لتلك المشكلات لا يتحقق إلا بالاعتماد على جمع الحقائق والأرقام ذات الصلة، وتبويبها، وتصنيفها، وتحليلها، وليس عن طريق الآليات البالية التي نتبعها في تفكيرنا والمتمثلة في إسقاط الانطباعات والأحكام الشخصية على المعضلات والمآزق التي تواجهنا. «فالشخصنة» عند النظر في مشكلاتنا الكبرى، لن تزيدها إلا تعقيداً و ابتعادا عن الحلول التي قد تكون في متناول أيدينا. وهكذا فبسبب ابتعادنا عن الموضوعية و بسبب اعتمادنا على الأحكام الشخصية في التشخيص والعلاج، نجعل مشكلاتنا عصية على الحل. ولعله من نافلة الحديث الإشارة إلى أن هذا سلوك اكتسبناه وتشكل لدينا كنتيجة لضعف التعليم الذي تلقيناه منذ نعومة أظفارنا أولاً، ثم بسبب الإعلام الذي يهدر علينا ليل نهار بكل ما هو سطحي ومتخلف وردئ ثانيا، وأخيراً بسبب الثقافة المجتمعية الرثة التي تحاصرنا أينما ولينا وجوهنا. ومن صور «الشخصنة» التي نعاني منها هو أنك حينما تختلف مع رأي ما ، يصنفك صاحبه فورا على أنك من أعدائه، ولكأنك باختلافك مع رأيه قد جرحت كرامته وكبرياءه الشخصي، في حين أن أراء الأشخاص لا تعدو أن تكون بمثابة السلع المختلفة المعروضة للبيع والشراء والتداول في سوق الأفكار و الآراء، ولا يوجد فكر أو رأي في هذا العالم غير قابل للتفنيد والتعديل والدحض. وهذا هو ما يطلق عليه في عالم الفكر والثقافة والعلم، بل و أيضا في واقع الحياة، « بقانون النسبية». ومن المحزن أن منظومتنا التعليمية والإعلامية والثقافية الحالية لم تدرسنا التفكير النسبي ولم تدربنا على ممارسته، كي يصبح لدينا الاستعداد لقبول الآراء المضادة لآرائنا. ولعل هذا هو ما يفسر صور التعصب والتزمت التي تسود وتطغى على مختلف أحكامنا ومواقفنا من مشكلات الحياة. خذ مثلا، على صعيد الفكر السياسي العربي، حيث لا تجد في هذا الفكر من يتقبل التفاوض والمساومة والتدرج في الإصلاح وتحقيق المصالح ومراكمة الانجازات كأسلوب ناجع في حل المعضلات السياسية المعقدة. وعليه فغالباً ما يلجأ قادتنا السياسيون إلى أسلوب نفي الآخر ومحاولة الإطاحة به، بدلاً من مفاوضته والدخول في مساومات معه. وهناك الكثير من البراهين التي تدلل على أن سبب معظم إخفاقاتنا السياسية كانت بسبب غياب الفكر السياسي العربي القائم على التفاوض والمساومة والتدرج. وأول تلك الدلائل يتجسد في فشل كل مشاريع الوحدة العربية التي أقمناها. بينما في المقابل، نجح الفكر السياسي الغربي البراجماتي المبني على أسس المساومة والتدرج والعقلانية واعتماد أسلوب الحلول الممكنة في إنجاز أكبر مشروع وحدوي في التاريخ البشري، ونعني به مشروع الوحدة الأوروبية الذي إبتدأ متواضعا في عام 1951 من خلال إنشاء منظمة اقتصادية للفحم والفولاذ، ضمت وقتها فرنسا وألمانيا فقط قبل أن تنضم إليهما كل من بلجيكا وهولندا وإيطاليا واللوكسمبورغ. نعم! كان المشروع صغيرا ومتواضعا، لكنه كان صدى لأفكار رجال عظام من ذوي الحكمة والبصيرة والواقعية ممن ظهروا في القرن السابع عشر من أمثال « إيمانويل كانت» . و من المؤلم، أنه من بعد كل ما ذقناه من مصائب ونكبات وهزائم، ،و من بعد كل ما مرت به الأمم الأخرى من حولنا من تجارب كان بالإمكان أن تشكل لنا معينا ونموذجا نقتدي به، لازلنا ننظر إلى مبدأ التفاوض والمساومة واعتماد الواقعية والتدرج ، على أنها من قبيل الخيانة والتنازل والخضوع والتفريط في الثوابت والركوع والانبطاح أمام العدو. إني لا أبالغ لو زعمت أننا الشعوب الوحيدة من بين شعوب الدنيا قاطبة التي لا تزال تستخدم في خطابها السياسي وأدبياتها مفردتي الركوع والانبطاح. ولهذا أعتقد، أن أس المشكلة التي تجعلنا متعصبين في آرائنا ، وحديين في مواقفنا هو نظامنا التعليمي المتخلف،الذي ننفق عليه مئات الملايين من الدخل الوطني، ولكنه كالمحيط العارم يبتلع كل ما يلقى فيه دون أن يخدم أبناءنا أو يوفر لهم الحد الأدنى من متطلبات الحياة المعاصرة كالتقدم الاقتصادي والعلمي والمستوى المعيشي اللائق والأمن والسلام الاجتماعيين. وبالمثل فإن المناخ الثقافي والإعلامي السطحي والردئ الذي يحيط بنا من كل جانب له تأثيرات بالغة الضرر لجهة تعطيل نمو الفكر العقلاني والحس النقدي. والحال، أن حالة التردي والتراجع التي أصابتنا وندفع ثمنها في عالم اليوم وتمنعنا من المضي إلى الأمام بسرعة العصر الذي نعيش فيه، سببها باختصار شديد عزوف حكوماتنا والقادرين والمستنيرين منا عن التركيز على الاستثمار في التعليم الرصين والثقافة الجادة والإعلام التقدمي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا