النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

من وحي ساعة الحرم المكّي

رابط مختصر
العدد 7932 الثلاثاء 28 ديسمبر 2010 الموافق 22 محرم 1431هـ

بعد أن أنهيت مناسك العمرة، جلست في صحن الحرم منتظراً أذان الفجر، ومتأمّلاً أولئك المعتمرين والطائفين الذين لا تنقطع جموعهم عن التقاطر حتى في الساعات المتأخرة من الليل. «كم الساعة الآن؟»، لم أكن أحمل ساعة بيدي، إذ لم أكن لابساً غير قطعتي الإحرام، ولم يطُلِ الوقت حتى انتبهت إلى الساعة العملاقة التي انتصبت فوق المباني الشاهقة المطلّة على الحرم. إنها الساعة الخامسة إلا أربع دقائق صباحاً. بقي نصف ساعة على أذان الفجر. شكراً أيتها الساعة العملاقة. تذكّرت أنني قضيت نصف حياتي لا أستخدم سوى الساعات الرقمية، فلم أكن في ذلك الوقت مؤمناً بالساعة ذات العقارب التي لا تراعي الدقّة في التوقيت، ولا يمكن أن من خلالها ضبط المواعيد. حصلت في ذلك الوقت على عدد كبير من الساعات ذات العقارب وكنت أهديها بدوري إلى أولئك الذين لا يراعون التوقيت ولا يحترمون المواعيد، حبّاً لبعضهم واستخفافاً بالبعض الآخر. كانت مراعاتي للمواعيد واحترامي للوقت يصل إلى درجة الهوس. يتذكّر أصدقائي أنني استبدلت بساعاتهم «العقاربية» ساعات رقمية، وكنت ألزمهم بضبط ساعاتهم على توقيت ساعتي بالساعة والدقيقة والثانية، حتى نلتزم بالوصول في وقت واحد حينما نتواعد في مكان ما، ولا يجد أي صديق منّا عذراً في اختلاف توقيت ساعته عن توقيت ساعاتنا. وكنت مستعدّاً للتخلّي عن أي صديق أضرب معه موعداً ولا يلتزم بالمجيء في الوقت المضروب بيننا. وكان من الطبيعي جدّاً أن نتواعد مثلاً عند الساعة التاسعة وسبع دقائق، وكنّا نعدّ من يأتي عند التاسعة وثماني دقائق متخلّفاً عن الموعد. ولا أذكر أنني قلت لأحد: سآتيك بعد صلاة العصر أو قبل صلاة العشاء، فقد كان موعدي محدّداً بالدقيقة. كم الساعة الآن؟ إنها الخامسة وعشر دقائق. تذكّرت أنني قبل عشر سنوات فقط تخلّيت عن لبس الساعة الرقمية بعد عدّة محاضرات سمعتها من المحيطين بي، ولبست أخيراً ساعة العقارب، ولكنّ الساعة الرقمية كانت في جيبي دائماً وهي المعتمدة عندي في المواعيد، إلى أن منّ الله عليّ بالهاتف النقّال، فصارت ساعة الهاتف هي المعتمدة لديّ. تأملت الساعة العملاقة التي تشير الآن إلى الخامسة والربع، فتساءلت: ما الغرض من نصب ساعة كبيرة كهذه في منطقة الحرم المكي؟ لم أكن أعرف الإجابة الرسمية ولكنّي على أيّ حال كنت سعيداً جدّاً بوجود ساعة كهذه في تلك البقعة الطاهرة من الأرض، فإنّ لها – بالنسبة لي على الأقل –مدلولات كبيرة. أولها: تنبيه المسلمين إلى احترام الوقت ومعرفة قيمته، فالأمة التي لا تحترم الوقت ولا تقدّر قيمته لن تجد لها موطئ قدم في مصافّ الأمم المتقدّمة. ومن يزُر الدول المتقدّمة في الغرب أو الشرق يجد أن الوقت عنصر أساسي في صميم حياتهم وعامل مهم من عوامل تقدّمهم وتحضّرهم، فهناك احترام لمواعيد القطارات والحافلات والطائرات، ومواعيد بدء الدوام والانتهاء منه. ولقد تعلّمنا منهم كيف نحترم المواعيد في بدء نشرات الأخبار والبرامج والانتهاء منها، وفي تصميم خطط العمل المبنية على مدد زمنية محدّدة. ثانياً: تنبيه المسلمين إلى ضرورة التجدّد وسط عالم متجدّد. فمواعيد الصلوات كانت في الزمان الغابر تُقدّر بناء على حركة الشمس، وبعد اختراع الساعات المحمولة كانت لزاماً أن يتم تحديد مواعيد الصلوات بناء على توقيت الساعة. ويذكر الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه « حكاية الحداثة في السعودية» أنّ تقبّل أهل الحجاز للساعة لم يكن سهلاً في بادئ الأمر، فقد كانوا ينكرون على الشخص الذين يرونه حاملاً ساعة بجيبه ويعتبرون عمله من البدع التي تهوي بصاحبها في النار. ولكن اليوم ها هي الساعة العملاقة تقف منتصبة في أطهر البقاع دون أن تجد أيّ معارضة. ولم تصل الساعة عند الساعة الخامسة والست وعشرين دقيقة، وهو الموعد المضروب لأذان الفجر، حتى انطلق صوت المؤذن في أرجاء الحرم معلناً للملأ عن دخول وقت الصلاة، ليس اعتماداً على ضوء الشمس، ولكن اعتماداً على ساعة اليد وساعة الحائط وساعة الهاتف النقّال والساعة العملاقة المنتصبة في نقطة في الحرم المكّي، في الوقت الذي ما زال دخول الأشهر الهجرية يُحدّد بناء على الرؤية البصرية المجرّدة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا