النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

هل يمكن تطبيق الرقّ والجزية في عصرنا؟

رابط مختصر
الثلاثاء 25 صفر 1431هـ العدد 7610

لو سألني أحد: هل تعتقد أن الإسلام صالح لكلّ زمان ومكان؟ لأجبته بكلّ طمأنينة وثقة: نعم. ولكنّي كمسلم ومحبّ لديني ومتمسّك بتعاليمه السامية ينبغي أن أفرّق بين غايات الإسلام الثابتة التي لا تتبدّل مع تبدّل الزمان وتحوّل الظروف، وبين وسائله التي قد توافق غايات الإسلام في ظرف تاريخي ولكنها قد لا توافقه في ظرف تاريخي آخر. وليس في ذلك منقصة أبداً للإسلام، فغايات الإسلام غايات نبيلة، وهي متوافقة مع الفطرة، ومتسقة مع كثير من الدعوات الإنسانية التي جاء بها المصلحون منذ فجر التاريخ ودفعوا لأجلها دماءهم وأرواحهم، غير انّ كثيراً من المسلمين، ولفرط حبّهم للإسلام وخوفهم عليه من التحريف والتبديل، حوّلوا الوسائل إلى غايات، وأهملوا الغايات الأساسية للإسلام التي تتغيّر وسائلها بتغيّر الزمان والمكان، فألحقوا بالإسلام ضرراً كبيراً، وغدوا كذلك الدبّ الذي أراد أن يذبّ عن رأس صاحبه الذبابة فأسقط عليه صخرة. إنّ الإصرار على الاعتقاد بثبات الوسائل التي سلكها المجتمع الإسلامي الأول لتحقيق غايات الإسلام وصلاحيتها جميعها لكلّ زمان ومكان هو إصرار على السير عكس اتجاه حركة التاريخ، وإنّ المجتمع الذي يصرّ على التقيّد بالوسائل التي كانت تنظم حياة الناس قبل أكثر من عشرة قرون ولا يريد أن يحيد عنها قيد أنملة هو مجتمع مصيره إلى الزوال. هل منّا اليوم من يعتقد أنّ عدم فرض الحكومة المصرية نظام الجزية على المواطنين المصريين الأقباط هو مخالفة لتعاليم الإسلام؟ وهل منّا اليوم من يريد أن يلزم الحكومة اليمنية بأخذ الأموال من المواطنين اليمنيين اليهود نظير بقائهم في ديار الإسلام؟ ألم تخرج دعوات في مصر، بالتحديد، من بعض المتشددين الإسلاميين تدعو إلى أخذ الجزية من المصريين الأقباط؟ ألم يخرج الإسلاميون قبل غيرهم للردّ على مثل هذه الدعوات الباطلة المضادّة للفطرة والعقل والمنطق؟ لقد كان نظام الجزية خير وسيلة في قرون الإسلام الأولى لضمان ولاء غير المسلمين في البلدان الإسلامية، ولإثبات امتثالهم لخليفة المسلمين ضمن متطلبات الدولة حديثة النشوء. أما اليوم وبعد استقرار الدول وظهور مفهوم المواطنة الذي يلزم الدولة الإسلامية وغير الإسلامية بمعاملة المواطنين على قدم المساواة بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، فإنّ تطبيق نظام الجزية هو تأخّر ورجعية، بل إنّ المواطنة في هذا الزمان وفي هذا الظرف التاريخي هي التي تحقق غاية سامية من غايات الإسلام وهي المساواة. الأمر ذاته ينطبق على نظام الرقّ، إذ جاء الإسلام في الوقت الذي كان فيه نظام الرقّ يطبّق على أوسع نطاق، فلقد كان العرب يشترون العبيد والجواري من سوق النخاسة، ويفرضون عليهم العمل في بيوتهم وحقولهم وأسواقهم دون مقابل، وكان يحقّ للسيّد أن يكون له عشرون جارية وأكثر يبيت مع من يشاء منهنّ بعلم زوجاته. ولقد استمرّ هذا النظام حتى في عهد الإسلام، إذ لم يصدر الأمر الإلهي بوقف هذا النظام المضادّ للإنسانية، لأنّ وقف هذا النظام يترتّب عليه الكثير من التبعات التي تنوء بحملها الدولة الإسلامية حديثة النشوء. غير انّ الإسلام سعى منذ نشأته إلى تحقيق غاية من غاياته الأساسية وهي الحرّية، حيث دافع الرسول عليه الصلاة والسلام عن حقوق العبيد، وجعلهم يثورون على أسيادهم الذين كانوا يعاملونهم بدونية واحتقار، وفتح الإسلام المنافذ للقضاء على العبودية، فأجزل الثواب لمن يحرر عبيده وجواريه، وجعل تحرير الرقبة كفارة لكثير من الذنوب، ومنح الحرّية للجارية التي تلد من سيّدها. أما اليوم، فلا أتصوّر أي مسلم يتقبّل أن يعود عهد الرقّ ويرجع عصر العبودية، ولا أتصوّر أي امرأة تقبل أن يعاشر زوجها عشرين جارية يشتريهنّ بأبخس الأثمان من سوق النخاسة، في هذا العصر الذي وُضعت به مبادئ حقوق الإنسان، ونشأت به المنظمات المسؤولة عن تحقيق كرامة الإنسان ورفع الظلم عنه. فهل يمكن أن نقول بأنّ نظام الجزية ونظام الرقّ هما من الأنظمة الرجعية التي وضعها الإسلام والتي تمتهن كرامة الإنسان وتحطّ من شأنه؟ أم يجب أن نقول بأنّ هذين النظامين كانا الوسيلة الأصلح لذلك العصر، وأن الوسائل تتبدّل بتبدّل الظروف وتغيّر الأحوال، غير انّ غايات الإسلام وهي الحرية والعدل والمساواة وحفظ النفس وعمارة الأرض لا تتبدّل ولا تتغير، وان تحقيقها يتطلّب تغييراً مستمراً في الوسائل المحقّقة لها لكي تتناسب مع كل عصر وكلّ ظرف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا