النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

فتوى تحريم الطعمية

رابط مختصر
الثلاثاء 18 صفر 1431هـ العدد 7603

في إحدى القنوات الدينية سمعت خبير التغذية يتحدّث متحسّراً أنه كان يأمل أن يصدر العلماء فتوى بتحريم أكل المقليّات لما تسبّبه من أضرار عديدة على الجسم أثبتها الطبّ الحديث. ولم يكن العلماء الذين يقصدهم الخبير هم علماء التغذية أو الطبّ الذين اطلعوا على مئات الأبحاث وقاموا بإجراء عشرات التجارب، وإنما هم خرّيجو الكليات الشرعية الذين لا يحقّ لسواهم إصدار الفتوى وإلزام الناس بها. لا أعلم إن كان قول النبيّ عليه الصلاة والسلام «أنتم أعلم بشئون دنياكم» يدرّس في الكليات الشرعية أم لا، أم أنّ الشيخ المحاضر يتجاوز هذا الحديث الشريف بسرعة أثناء محاضرته، ولكنّي أرى ممارسات خرّيجي الكليات الشرعية – أو أغلبهم في أحسن الأحوال – تخالف هذا الحديث، وتمنح الحقّ لهم في الإفتاء في الفلك والذرّة والسياسة وعلم الجينات والزراعة والتغذية والطب، بل يتمادى البعض ليلغي صلاحية المتخصيين في الطبّ في الإفتاء في الطب، وصلاحية خرّيجي العلوم السياسية في الإفتاء بالسياسة. يروي الهيثم بن جميل أنّه شهد الإمام مالك بن أنس يُسأل في ثمانٍ وأربعين مسألة، قال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري. وأحسب أنّ المسائل التي لم يجب عنها الإمام العظيم هي من المسائل المتعلّقة بالعلوم الدنيوية التي يجب أن يُسأل عنها المتخصصون بها. أما اليوم فلم نعد نسمع عبارة «لا أدري» من المشايخ في برامج الإفتاء على الفضائيات أو في المساجد، بل تعدّوا الدائرة المسموح لهم بالإفتاء بها لينازعوا المتخصصين في العلوم الأخرى علومهم. فهل ما يفتي به خرّيجو الكليات الشرعية في أمور الطب والتغذية والهندسة من الفقه؟ أحسب أنّ الفقه لم ينشأ إلا للحفاظ على الشعائر الدينية من أن يلحقها التحريف أو الزيادة، ولتعليم المسلمين الجدد وأبناء المسلمين طرق وآليات أداء الشعائر. ونظراً لغياب المنظومات القانونية التي تكفل تنظيم الحياة العامّة وحفظ الحقوق العامة للمواطنين في المجتمع الإسلامي الأول، فقد أسندت مهمة التقاضي إلى القضاة الذين استعانوا في استصدار أحكامهم بالقياس بحوادث وقعت للرعيل الأول من المسلمين، وبذلك حدث التداخل بين الفقه الموضوع لتنظيم الشعائر الدينية والفقه المحدث الموضوع لتنظيم أمور حياة المسلمين. ولما جرى تدوين الفقه الإسلامي تمّ دمج هذين الفقهين في مدوّنة واحدة، بحيث وضعت القواعد المنظمة للشئون الحياتية في مرتبة واحدة مع القواعد المنظمة لشئون العبادات. ولا غرو الآن أن نجد الفقيه يفتي في أمور الحياة ويتعصّب للآراء الواردة في كتب الفقه ظناً منه أن ما يوجد بها هو الإسلام، وأن مخالفة ما أورده الفقهاء في شئون السياسة والبيع والشراء والمواريث وغيرها هي مخالفة للدين الإسلامي. وبذلك تراجع المسلمون تراجعاً كبيراً في شتى مناحي الحياة لعدّة أسباب من بينها تقيّد المسلمين باتباع نمط الحياة وفقاً للرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية لفقهاء القرون الأولى، دون مراعاة تغيّر الظروف وتبدّل الحاجات. ولما ضاق المسلمون ذرعاً بهذه الرؤى، ورفضوا أن يكونوا أسيري القرون الأولى، اضطرّوا إلى الاستعانة بالمنظومات القانونية والسياسية والاقتصادية الغربية، ولقد وجد هؤلاء في بادئ الأمر مقاومة شديدة من المتمسكين بالفقه الرافضين للفصل بين مسائله الشعائرية ومسائله الحياتية. وجدوا أنّ القانون الوضعي الغربي قد سحب البساط من تحت أقدامهم ولم تُجدِ نفعاً مقاومتهم، لجأوا إلى أسلمة القوانين الوضعية، بوضع شاهد فقهي أمام كلّ بند من بنود الفقه للبرهنة على أنّ الإسلام سبق الغربيين في وضع القوانين المسيّرة لشئون الحياة. ومثل هذا الأمر حدث للمنظومات السياسية، حيث اعتبروا الشورى متقدّمة على الديمقراطية، والانتخابات كاختيار الخليفة ومراقبة التشريعات كنظام الحسبة، والأمر ذاته بالنسية للمنظومات الاقتصادية، حيث اكتفوا بأسلمة المصطلحات الاقتصادية وأصبحت هنالك الإجارة والتورّق، والأمر ذاته بالنسبة للطبّ حيث وضعوا الطب النبوي المستمدّ من الأحاديث النبوية الشريفة. وكلّ هذه المخارج «المكشوفة» تمّ وضعها لعدم الاعتراف بالخلط الحاصل بين الفقه الشعائري الثابت وبين الفقه الحياتي المتغيّر مع تغيّر الظروف والذي يجب أن يسند إلى المتخصصين للإفتاء به لا مجرّد إلباسه لبوساً فقهياً ووضعه في مصطلحات مستمدّة من التاريخ لإثبات صلاحية الفقه الحياتي الموضوع منذ القرون الأولى لكل زمان ومكان. هذا بالإضافة إلى حرص كثير من المتمسكين بصلاحية الفقه الحياتي كاملاً على إبقاء الناس حولهم، يدورون في فلكهم ولا يستغنون عنهم، عبر ابتكار شتى الطرق الكفيلة في إبقاء الجمهور في حاجتهم، إذا لو قالوا للناس «أنتم أعلم بشئون دنياكم» لانصرف الناس عنهم، ولم تعد لهم نفس القيمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا