النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10912 السبت 23 فبراير 2019 الموافق 18 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:36AM
  • العشاء
    7:06AM

كتاب الايام

نريد دولة أمن وخدمات .. لا دولة مرجعيات وأيديولوجيات

رابط مختصر
الخميس 23 ربيع الآخر 1431هـ العدد 7668

الإنسان في كل الأزمنة، وفي كل الأمكنة، لا يتمنى سوى الأمن والاستقرار والسلم والرخاء. ولهذا فهو بصفة عامة لا يبالي ولا يكترث بالعناوين، أو المسميات، أو الايديولوجيات، أوالشعارات، أو المرجعيات. هناك دول تمكنت من تحقيق أهداف الأمن والرخاء و توفيرالخدمات المتميزة لمواطنيها ولمن يعيش على أراضيها، دون تفرقة أو تمييز. وبذلك استحقت أن تكون من ضمن الدول الناجحة بغض النظر عن شكل نظامها السياسي وعما إذا كان ملكيا أو جمهوريا، ديمقراطيا أو شموليا أو ما بينهما. ولعل من أفضل الأمثلة والتجارب الزاهية التي يمكن إيرادها في هذا السياق من أجل الإطلاع عليها، أو من أجل نقلها إلى أجيالنا الصاعدة في المعاهد والمدارس والجامعات، تجربة رئيس وزراء جمهورية سنغافورة المتقاعد السيد «لي كوان يو» الذي أسس وبنى سنغافورة الحديثة خلال 35 عاما من العمل والتفكير والتخطيط المتواصل ما بين عامي 1955 و 1990 ، حتى حولها خلال تلك الفترة الزمنية القصيرة في تاريخ الأمم والشعوب من بلد نام فقير إلى واحدة من أكثر دول العالم تقدماً. ويمكننا أن نتوصل إلى المبادئ التي أعتمدها «لي كوان يو في بناء دولة سنغافورة الحديثة، بعيداً عن التنظير الايديولوجي و الشعارات الرنانة والخطب الحماسية الفارغة واللعب على العواطف، من خلال قراءة سريعة لخطابه الذي ألقاه أمام منتدى التنافسية العالمي الذي انعقد في يناير 2008 في العاصمة السعودية الرياض، حيث قال: «لو ولدت سعودياً.. ماذا أفعل؟ لو ولدت سعودياً لطرحت سؤالاً مفاده، ما الذي سيزيد من أهميتي بالنسبة لدول العالم؟ حتماً إنه ليس رملي ولا جمالي بل إنه بترولي، فهذا المورد مورد نادر جداً. والسؤال هو كيف نفعِّل قيمة هذا البترول مع ندرته في المستقبل؟ أريدكم أن تقيموا صناعات تسمح لمواطنيكم بالاستثمار فيها، ولابد أن ترسلوا أبناءكم للعمل في الدول المتقدمة ثم العودة إلى تأسيس أعمال صناعية ومصارف إسلامية جديدة في بلدكم، فالمهم أن تتعلموا كيفية استثمار احتياطكم البترولي وكيفية إدارة مواردكم لتحقيق أكبر فائدة ممكنة». وأضاف الزعيم السنغافوري قائلا: «لقد أدركنا في سنغافورة الحكمة الصينية التي تقول سنة واحدة ضرورية لكي تنمو بذرة قمح، وعشر ضرورية لكي تنمو شجرة، ومائة ضرورية لكي ينمو إنسان، وعملنا على إنتاج مجتمع آمن ومستقر، وركزنا على الثقافة والفنون، فتمكنَّا من تكوين أشخاص قادرين على اختيار مواقعهم ووظائفهم .. أشخاص يؤمنون بأن الحياة تستحق العناء من أجلهم وأجل أبنائهم. وحول الوضع في المملكة العربية السعودية، قال لي كوان يو: «أنتم في بلادكم لن تجدوا صعوبة في تطوير التعليم من التعليم الديني إلى التعليم العلمي الذي ينقلكم إلى مراتب متقدمة من التطور، فبالنسبة لكم العالم القديم كان مكوناً من بدو وجمال ولكن الآن أمامكم خيارات عظيمة لتطوروا أسلوب حياتكم، وأمامكم الفرصة المواتية لأن تتساءلوا عن كيفية تطوير حياتكم واقتصادكم لكي تعيشوا حياة ذات مستويات مرتفعة للغاية بعد حقبة البترول». وحول كيفية تحقق المعجزة السنغافورية؟ أجاب «لي كوان يو» قائلا: «منذ 25 عاما أحضر زملائي العالم (سيدني بريمير) للقائي، وكان عالماً متخصصاً في علم الميكروبات، وشرح لي أن دولة صغيرة كسنغافورة إذا كانت لديها عزيمة وتبنت تطوير هذا العلم فإنها ستصبح ذات شأن، لأن هذه العلوم أساسية للتقنية، فقلنا لنحاول، وبدأنا بتأسيس المعهد العلمي للجينات البيولوچية، واستقدمنا خبراء من بريطانيا والسويد واليابان، ووسعنا عملنا معهم. ولأننا عملنا على مستوى دولي، فقد كان الاتصال معهم سهلاً وأصبحت لنا صناعة طبية متطورة للعقاقير». وتابع باني سنغافورة الحديثة قائلا: نحن نجتذب المهارات من جميع مناطق العالم ونستخدم علماء يتحدثون اللغة الانجليزية، حيث أننا من خلال هؤلاء الأخصائيين المهرة، وبفضل تعاونهم معنا، حققنا أكبر استفادة. ويجدر بالذكر أن نبيِّن أن الذين يأتون إلينا ويلتحقون بدراسات إنسانية في بلادنا، فإن بعضهم لا يعود لبلاده لأنهم يحصلون على ما يريدون في سنغافورة ـ وهكذا ننمو بسرعة. وقد طبقنا نظاما حازما لتحديد النسل حيث لم تتجاوز نسبة الزيادة 1.9 في عام 1970 و 1.2في عام 1980 مما جنب البلاد كارثة الانفجار السكاني الذي يعرقل التنمية . ولكن ما إن أصبح الاقتصاد السنغافوري في حاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة المؤهلة، حتى غيرت الدولة سياستها السكانية في الاتجاه المعاكس باعتماد برنامج جديد يهدف لتحفيز المواطنين على زيادة النسل، حيث خصصت له ميزانية تقدر بـ 300 مليون دولار أمريكي. وهذا التغير في السياسة السكانية لسنغافورة ناتج عن أن كل مولود جديد في مرحلة التخلف يعني عبئاً على الاقتصاد، بينما في مرحلة النمو والتقدم ومع توفر الخدمات التعليمية والصحية اللازمة للأطفال، فإن ذلك يجعل منهم ثروة بشرية تدفع بدورها عجلة الاقتصاد إلى الأمام. وعممنا التعليم وقمنا بتحديثه وتطويره باعتماد أفضل المناهج في العالم. حيث تتصدر سنغافورة الأولمبياد الدولي في امتحانات المواد العلمية. واعتمدنا بيروقراطية صغيرة الحجم ذات كفاءة عالية (قوامها حوالي 50 ألف موظف لا أكثر) وعلى درجة كبيرة من المهنية والتعليم والثقافة. وحرصنا أن يتم التعيين في الوظائف عبر مناظرات عامة مفتوحة للجميع، بحيث يحصل موظفو القطاع العام على رواتب تنافسية مثل القطاع الخاص إن لم يكن أعلى (200 ألف دولار أمريكي راتب سنوي للوزير كمثال)، إلى جانب الشفافية وانخفاض نسبة الفساد الإداري والمالي إلى حد أن سنغافورة تتصدر المراتب الأولى لمؤشر الشفافية الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية». انتهى خطاب «لي كوان يو» الذي يمكن أن نستنتج منه كخلاصة ما يلي: إننا نريد أن نتعلم ونعلم أبناءنا كيف يجب علينا أن نقف على دعامات عقلانية وثقافية رصينة، وكيف ننظر إلى الأمور بموضوعية، و كيف نكتشف عيوبنا ومزايانا دون مبالغة أو زيف أو إستعلاء، في جو من التقدم الثقافي والتعليمي الذي يدفع بأصحاب الاتجاهات المختلفة للمشاركة في بناء الوطن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا